في غرفة المدرسين جلس الشيخ (عارف مع زملائه يهنّئهم بالقرن الخامس عشر الهجري، ويشيد بالدور العظم الذي قدّمته الشريعة الإسلامية للعالم طوال هذه المدة.
فقد حافظت الشريعة على دولة الإسلام أكثر من ألف عام.
واعتنقتها شعوب ذات حضارات واسعة، وفلسفات متعددة، فوسعتهم، وحدّت مشاكلهم، فلم يشعروا في ظلَّها بغُربة.
وسبقت الغرب والشرق، في تأسيس قواعد دستوريّة وقضائية، لم يهتد العالم إليها إلا بعد ألف عام من الشريعة الإسلامية.
وحسب الشريعة فخراً أنها أقامت أول نظام قضائي - العالم حَاكَمَ رئيس الدولة الأعلى، أمام المحاكم
العادية، وجعل سلطة القضاء فوق الجميع.
هذا في الوقت الذي كان العالم يؤمن بأنّ المَلكَ هو ظلّ الله في الأرض، فلا يسأل عمّا يفعل.
والناس أمامه يسألون.
لقد استطاعت الشريعة الإسلامية أَن تربي النفوس وأَن تُحكم السفينة، وأن تمنع المسلم من الجريمة، حتى مع أمنه من العقاب.
حوار بين منصف وعارف عن شريعة الإسلام
منصف: حديثك عن الشريعة الإسلامية، حديث المحامي المؤمن عن القضية العادلة.
عارف: الإسلام أعمق مما نعلم.
يا أُستاذ منصف.
منصف: لكنك تحدّتث عن الشريعة وهي شباب وسُنّة الحياة ...
كل قوي يضعف، وكل حي يموت، والرسول - صلى الله عليه وسلم - قال:"بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً كما بدأَ."
فطوبى للغرباء"."
"رواه مسلم وأحمد"
عارف: هذا الحديث صحيح السند.
ولكنه لا يؤخذ على ظاهره (يا منصف) .
فهناك حديث آخر صحيح أيضاً لابد أن يُدرس هنا ليتم المعنى.
قال - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا".
(رواه أبو داوود.
فالإسلام بدأ غريباً.
ثم قوي فحكم العالم.
ثم عاد غريباً.
ثم بعث الله بعد مائة عام من يُجدّد شبابه فأصبح قوياً.
ثم عاد غريباً ثم بعث الله له من يُجدّد شبابه، وهكذا.
فالحديثان يرسمان خطاً بيانياً لنبضات قلب الإسلام، قوة وغربة، ولكن الإسلام لن يموت.
{هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا} [الفتح 28]
كرم: أربعة عشر قرناً ليس بالعمر القصير.
ولا بالأمر السهل.
والزمن يُغير كل شيء.
عارف: لماذا يُوجّه هذا الكلام للإسلام وحده؟ لماذا لا يوجه للنصرانية - التي بلغت حوالي عشرين قرناً؟
واليهودية التي بلغت أكثر من ذلك بكثير لماذا ... الإسلام وحده؟!
كرم: قانون التطور كحجر الرحى ... يطحن كل شيء.