قال سيبَوَيْه: فإن قدَّمْت المَفْعُول ، وأخَّرْت الفاعل جرى اللَّفظ كما جَرَى في"الأوَّل"، يعني في"ضَرَب عَبْدُ الله زَيْداً"قال:"وذلك: ضَرَبَ زيداً عبد الله لأنَّك إنَّما أردت به مُؤخَّراً ما أرَدْت به مُقَدَّماً ، ولم تُرِدْ أن يَشْتَغِل الفِعْل بأوَّل منه ، وإن كان مُؤخَّراً في اللَّفْظ ، فمن ثَمَّ كان حَدُّ اللَّفْظِ أن يكون فيه مُقَدَّماً ، وهو عربي جيد كثير ، لأنهم يُقَدِّمُون الذي بَيَانُه أهَمُّ لهم ، وهم ببيانهِ أعْنَى ، وإن كانا جَمِيعاً يُهِمَّانِهم ويعنيانهم".
والآيَةُ الكَريمَةُ لَيْسَت من ذلك.
قوله:"أيْدِيهمَا"جمع واقعٌ موقِع التَّثْنِية: لأمْن اللَّبْس ، لأنَّهُ معلُوم أنَّه يقطع من كل سَارِق يَمِينه ، فهو من باب {صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، ويدلُّ على ذلك قراءة عبد الله:"فاقْطَعُوا أيْمَانَهُمَا"واشْتَرَط النَّحْوِيُّون في وُقُوع الجَمْعِ موقع التَّثْنِية شُرُوطاً ، من جملتها: أنْ يكون ذلك الجُزْء المُضَاف مُفْرَداً من صاحِبِه نحو:"قُلُوبكما"و"رُوس الكَبْشَيْنِ"لأمْنِ الإلْبَاس ، بخلافِ العَيْنَيْنِ واليَدين والرِّجليْن ، لو قلت:"فَقَأت أعينهما"، وأنت تعني عينيهما ، و"كتَّفْت أيديهمَا"، وأنت تعني"يديهما"لم يَجْزْ للَّبْسِ ، فلوْلاَ أنَّ الدَّلِيل دَلَّ على أنّ المُرَاد اليَدَان اليُمْنَيَان لما ساغَ ذلك ، وهذا مُسْتَفِيض في لِسانِهم - أعني وُقُوع الجَمْع مَوْقِع التَّثْنِيَة بِشُرُوطه - قال تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4] ، ولنذكر المسْألة ، فنقول: كُلُّ جزْأين أضيفا إلى كِليْهِما لفظاً أو تقديراً ، وكانا مُفْرَدَيْن من صَاحبيْهِمَا جاز فيهما ثلاثة أوجُه: