{يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ اتقوا الله وابتغوا إِلَيهِ الوسيلة وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} ولنر الإيثار الإيماني الذي يريد الحق أن يُربّيه في النفس المؤمنة بتقوى الله التي تتمثل في الابتعاد عن مَحارِمه ، وابتغاء الوسيلة إلى الله في اتباع أوامرِه .
إن الدِّين لم يأتِكَ من أَجل نفسك فحسب ، ولكن إيمانك لن يصبح كاملاً إلا أن تُحب لأخيك ما تحبه لنفسك ، فإن كنت قد أحببت لنفسك أن تكون على المنهج فاحرص جيداً على أن يكون ذلك لإخوانك أيضاً . وإخوانك المؤمنون ليسوا هم فقط الذين يعيشون معك ، ولكن هم المقدر لهم أن يوجدوا من بعد ذلك . ولذلك عليك أن تجاهد في سبيل الله لتعلو كلمة الله . وهكذا تتّسع الهِمَّةُ الإيمانية ، فلا تنحصر في النفس أو المعاصرين للإنسان المؤمن . ولذلك يضع لنا الحق الطريق المستقيم ويوضحه ويبيّنه لنا .
وكانت بداية الطريق أن المؤمن بالله حينما وثق بان لله نعيماً وجزاءً في الآخرة هو خير مما يعيشه قدَّم دمه واستشهد ؛ لذلك قال صحابي جليل: أليس بيني وبين الجنة إلا أن أدخل هذه المعركة فإما أن أقتلهم وإما أن يقتلوني . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم .
وألقى الصحابي تمرات كان يأكلها ودخل المعركة .
لا بد إذن أنه قد عرف أن الحياة التي تنتظره خير من الحياة التي يعيشها ؛ ومع ذلك لم يضع الله الجهاد كوسيلة في أول الأمر ، بل طل يأمرهم بالانتظار والصبر حتى يُرَبِّيَ من يحملون الدعوة . فلن يجعلها سبحانه عملية انتحارية .
وبعد ذلك نرى أثناء رحلة الدعوة للإسلام أن صحابياً يحزن لأنه في أثناء القتال قد أفلت منه عمرو بن العاص ، وأن خالد بن الوليد قد هرب . وتثبت الأيام أن البشر لا يعرفون أن علم الله قد ادّخر خالداً وأنجاه من سيف ذلك الصحابي من أجل أن ينصر الإسلام بخالد . وكذلك عمرو بن العاص قد ادَّخره الله إلى نصرٍ آخر للإسلام .