إذن فالجهاد في سبيل الله ضمانٌ للمؤمن أن يظل المنهج الذي آمن به موصولاً إلى أن تقوم الساعة ، وذلك لا يتأَتّى إلا بإشاعة المنهج في العالم كله . والنفس المؤمنة إذا وقفت نفسها على أن تجاهد في سبيل الله كان عندها شيء من الإيثار الإيماني . وتعرف أنها أخذت خير الإيمان وتُحب أن توصّله إلى غيرها ، ولا تقبل أن تأخذ خير الإيمان وتحرم منه المعاصرين لها في غير ديار الإسلام ، وتحرص على أن يكون العالم كله مؤمناً ، وإذا نظرنا إلى هذه المسألة نجدها تمثل الفهم العميق لمعنى الحياة ، فالناس إذا كانوا أخياراً استفاد الإنسان من خيرهم كله ، وإذا كانوا أشراراً يناله من شرِّهم شيء .
إذن فمن مصلحة الخيِّر أن يشيع خيره في الناس ؛ لأنه إن أشاع خيره فهو يتوقع أن ينتفع بجدوى هذا الخير وأن يعود عليه خيره ؛ لأن الناس تأمن جانب الرجل الطيب ولا ينالهم منه شر .
لأنه يحب أن يكون كل الناس طيبين وعلى ميزان الإيمان ؛ لأنهم إن كانوا على ميزان الإيمان فالطيب يستفيد من خيرهم . أما إن بقي الناس على شرِّهم وبقي الإنسان الطيب على خيره ، فسيظل خير الطيب مبذولاً لهم ويظل شرُّهم مبذولاً للطيب .
إذن من حكمة الإيمان أن"يعدّي"الإنسان الخير للغير . وإن دعوة المؤمن إلى سبيل الله ، ومن أجل انتشار منهج الله لا بد من الإعداد لذلك قبل اللقاء في ساحات المعارك ؛ فقبل اللقاء مع الخصم في ساحة المعركة لا بد من حُسْنِ الإعداد . وعندما يعدّ المؤمن نفسه يجد أن حركة الحياة كلها تكون معه ؛ لأن الدعوة إلى الله تقتضي سُلوكاً طيباً ، والسُلوك الطيب ينتشر بين البشر ، وهنا يقوى معسكر الإيمان ، فيرتقي سلوكاً وعملاً ، وعندما يقوى معسكر الإيمان يمكنه أن يستخرج كنوز الأرض ويحمي أرض الإيمان بالتقدم الصناعي والعلمي والعسكري . والحق يقول: {وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} [الحديد: 25]