والأمر الثّاني: أنّ هذه العقوبات هي لأجل الحرابة وليست لأجل حقوق الأفراد من النّاس، كما دلّ على ذلك قوله بعدُ {إلاّ الّذين تابوا من قبل أن تَقدروا عليهم} الآية وهو بيّن.
ولذلك فلو أسقط المعتدى عليهم حقوقهم لم يسقط عن المحارب عقوبة الحرابة.
وقوله {ذلك لهم خِزي في الدّنيا} ، أي الجزاء خزي لهم في الدّنيا.
والخزي: الذلّ والإهانة {ولا تُخزنا يوم القيامة} [آل عمران: 194] .
وقد دلّت الآية على أنّ لهؤلاء المحاربين عقابين: عقاباً في الدّنيا وعقاباً في الآخرة.
فإن كان المقصود من المحاربين في الآية خصوص المحاربين من أهل الكفر كالعُرنيّين، كما قيل به، فاستحقاقهم العذابين ظاهر، وإن كان المراد به ما يشمل المحارب من أهل الإسلام كانت الآية معارِضة لما ورد في الحديث الصّحيح في حديث عبادة بن الصامت من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أخذ البيعة على المؤمنين بما تضمّنته آية {إذا جاءك المؤمنات يبايعنك} [الممتحنة: 12] الخ فقال:"فَمَن وفَى منكم فأجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئاً فعوقب به فهو كفارة له ومن أصاب منها شيئاً فستره الله فهْوَ إلى الله إن شاء عذّبه وإن شاء غفر له"فقوله: فهو كفارة له، دليل على أنّ الحدّ يسقط عقاب الآخرة، فيجوز أن يكون ما في الآية تغليظاً على المحاربين بأكثر من أهل بقيّة الذنوب، ويجوز أن يكون تأويل ما في هذه الآية على التفصيل، أي لهم خزي في الدنيا إن أُخِذوا به، ولهم في الآخرة عذاب عظيم إن لم يؤخذوا به في الدّنيا. انتهى انتهى. {التحرير والتنوير حـ 5 صـ}