وكانت النتيجة قبول قربان هابيل لصلاحه بدليل قوله لأخيه: إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. قال ابن عطية: المراد بالتقوى هنا اتقاء الشرك بإجماع أهل السنة فمن اتقاه وهو موحّد فأعماله المصدّقة لنيته مقبولة وأما المتقى الشرك والمعاصي فله الدرجة العليا من القبول والختم بالرحمة.
وكان استسلام هابيل لتهديد أخيه قابيل بالقتل معتمدا على أسس ثلاثة: الخوف الحقيقي من الله تعالى، والخشية من تحمل إثمين: إثم قتله وإثم فعل المقتول الذي عمله قبل القتل، والابتعاد عن أن يكون من أصحاب النار ومن الظالمين. وهذه المبادئ من أصول المواعظ التي تنفر من الإقدام على جريمة القتل وغيرها.
ودل قوله: فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ على أنهم كانوا في ذلك الوقت مكلفين قد لحقهم الوعد والوعيد. واستدل بعضهم بهذا القول على أن قابيل كان كافرا لأن لفظ أَصْحابِ النَّارِ إنما ورد في الكفار حيث وقع في القرآن.
قال القرطبي: وهذا مردود هنا بما ذكرناه عن أهل العلم في تأويل الآية. ومعنى مِنْ أَصْحابِ النَّارِ مدة كونك فيها.
وإقدام قابيل على القتل جعله من الخاسرين في الدنيا والآخرة، وتضمنت الآية بيان حال الحاسد، حتى إنه قد يحمله حسده على إهلاك نفسه بقتل أقرب الناس إليه قرابة، وأمسّهم به رحما، وأولاهم بالحنو عليه.
ودلت الآية: فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً على الاستفادة من تجارب الآخرين.
وبالرغم من أن قابيل أصبح من النادمين، فلم يكن ندمه جاعلا له من التائبين لأن ندمه لم يكن على القتل وإنما على حمل أخيه على ظهره سنة، أو لأنه لم ينتفع بقتله، وسخط عليه أبواه وإخوته، أو لأجل ترك أخيه بالعراء استخفافا به بعد قتله، فلما رأى فعل الغراب بدفن الغراب الآخر ندم على قساوة قلبه.
ودلت آية: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ .. على تشريع القصاص في حق القاتل على بني إسرائيل. وقوله: مِنْ أَجْلِ ذلِكَ ليس إشارة إلى قصة قابيل وهابيل، بل هو إشارة إلى ما ذكر في هذه القصة من أنواع المفاسد الحاصلة بسبب القتل الحرام وهو القتل العمد العدوان، ومنها قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ ومنها قوله: فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ.