ثمّ خاطب مرة ثانية أهل الكتاب بعد تبيانه هذه المعاني كلها، مبيّنا أنّه قد أرسل إليهم رسوله محمدا صلّى الله عليه وسلّم خاتم النبيّين، الذي لا نبيّ ولا رسول بعده، بل هو المعقّب لجميعهم، أرسله بعد مدة متطاولة بينه وبين آخر رسول بعث قبله وهو عيسى، أرسله بعد طموس السبل وتغير الأديان، وكثرة عبادة الأوثان والنّيران والصّلبان. فكانت النّعمة به أتمّ النّعم، والحاجة إليه أمر عمم، فإنّ الفساد كان قد عمّ جميع البلاد، والطغيان والجهل قد ظهر في سائر العباد، إلا قليلا من المتمسكين ببقايا الأنبياء الأقدمين، وكان الدّين قد التبس على أهل الأرض كلهم، حتّى بعث الله محمدا صلّى الله عليه وسلّم؛ فهدى الخلائق، وأخرجهم الله به من الظّلمات إلى النّور، وتركهم على المحجّة البيضاء، والشّريعة الغراء من أجل ألا يحتج من بدّل وغيّر. بأنه ما جاءه من رسول يبشّر بدين الله، وينذر من مخالفة دينه. فها قد جاء البشير والنذير محمّد صلّى الله عليه وسلّم، والله سيتولى عقوبة من خالفه وعصاه، وثواب من أطاعه.
وبهذا تنتهي الفقرة الأولى من هذا المقطع والسؤال الآن هو:
ما الصلة بين موضوع الميثاق الوارد في أول هذه الفقرة، وخطاب أهل الكتاب باتباع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟. والجواب - والله أعلم - أنّه لمّا كان من الميثاق الإيمان بالرسل ونصرتهم، فقد ذكّر الله - عزّ وجل - أهل ذلك بأن محمدا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأن عليهم أن يؤمنوا به وينصروه، ثمّ إن الخطاب بالإيمان قد جاء بعد تبيان عقوبة نقض الميثاق من قبل وكيف أن نقض الميثاق فيه ما فيه. فكيف بعد بعثة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الذي قامت به الحجة على الخلق بما لا مزيد عليه؟ فإن استحقاق العقوبة أبلغ.