واعلم أن لفظ"هو"فيه أسرار عجيبة وأحوال عالية ، فبعضها يمكن شرحه وتقريره وبيانه ، وبعضها لا يمكن ، قال مصنف الكتاب: وأنا بتوفيق الله كتبت أسراراً لطيفة ، إلا أني كلما أقابل تلك الكلمات المكتوبة بما أجده فِي القلب من البهجة والسعادة عند ذكر كلمة"هو"أجد المكتوب بالنسبة إلى تلك الأحوال المشاهدة حقيراً ، فعند هذا عرفت أن لهذه الكلمة تأثيراً عجيباً فِي القلب لا يصل البيان إليه ، ولا ينتهي الشرح إليه ، فلنكتب ما يمكن ذكره فنقول: فيه أسرار: الأول: أن الرجل إذا قال:"يا هو"فكأنه يقول: من أنا حتى أعرفك ، ومن أنا حتى أكون مخاطباً لك ، وما للتراب ورب الأرباب ، وأي مناسبة بين المتولد عن النطفة والدم وبين الموصوف بالأزلية والقدم ؟ فأنت أعلى من جميع المناسبات وأنت مقدس عن علائق العقول والخيالات ، فلهذا السبب خاطبة العبد بخطاب الغائبين فقال: يا هو.
والفائدة الثانية: أن هذا اللفظ كما دل على إقرار العبد على نفسه بالدناءة والعدم ففيه أيضاً دلالة على أنه أقر بأن كل ما سوى الله تعالى فهو محض العدم ، لأن القائل إذا قال:"يا هو"فلو حصل فِي الوجود شيئان لكان قولنا:"هو"صالحاً لهما جميعاً ، فلا يتعين واحد منهما بسبب قوله:"هو"فلما قال: (يا هو) فقد حكم على كل ما سوى الله تعالى بأنه عدم محض ونفي صرف ، كما قال تعالى:
{كُلُّ شَيْء هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ}
[القصص: 88] وهذان المقامان فِي الفناء عن كل ما سوى الله مقامان فِي غاية الجلال ، ولا يحصلان إلا عند مواظبة العبد على أن يذكر الله بقوله: يا هو.