الحجة الثالثة: أن الصفة المسماة بالقدرة إما أن يكون لها صلاحية التأثير عند حصول سائر الشرائط من العلم والإرادة أو ليس لها هذه الصلاحية ، فإن كان الأول فحينئذٍ تكون القدرة كافية فِي خروج الأثر من العدم إلى الوجود ، وعلى هذا التقدير فلا حجة إلى إثبات صفة أخرى ، وإن كان الثاني فحينئذٍ القدرة لا تكون لها صلاحية التأثير ، فوجب أن لا تكون القدرة قدرة ، وذلك يوجب التناقض.
واحتج مثبتو قدم الصفة بأن القادر على الفعل قد يوجده وقد لا يوجده ، ألا ترى أن الله تعالى قادر على خلق ألف شمس وقمر على هذه السماء إلا أنه ما أوجده ، وصحة هذا النفي والإثبات يدل على أن المعقول من كونه موجداً مغاير للمعقول من كونه قادراً ، ثم نقول: كونه موجداً إما أن يكون معناه دخول الأثر فِي الوجود أو يكون أمراً زائداً ، والأول باطل لأنا نعلل دخول هذا الأثر فِي الوجود بكون الفاعل موجداً له ، ألا ترى أنه إذا قيل: لم وجد العالم ؟ قلنا: لأجل أن الله أوجده ، فلو كان كون الموجد موجداً له معناه نفس هذا الأثر لكان تعليل وجود الأثر بالموجدية يقتضي تعليل وجوده نفسه ، ولو كان معللاً بنفسه لامتنع إسناده إلى الغير ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر يقتضي نفي الموجدية ، وما أفضى ثبوته إلى نفيه كان باطلاً ، فثبت أن تعليل الموجدية بوجود الأثر كلام باطل ، فوجب أن يكون كون الموجد موجداً أمراً مغايراً لكون الفاعل قادراً لوجود الأثر ، فثبت أن التكوين غير المكون.
إذا عرفت هذا الأصل فنقول: القائلون بأن التكوين نفس المكون قالوا: معنى كونه تعالى خالقاً رازقاً محيياً مميتاً ضاراً نافعاً عبارة عن نسبة مخصوصة وإضافة مخصوصة ، وهي تأثير قدرة الله تعالى فِي حصول هذه الأشياء.
وأما القائلون بأن التكوين غير المكون ، فقالوا معنى كونه خالقاً رازقاً ليس عبارة عن الصفة الإضافية فقط ، بل هو عبارة عن صفة حقيقية موصوفة بصفة إضافية.