واعلم أن قول الخير إما أن يتعلق بإيصال المنفعة أو بدفع المضرة ، والأول إن كان من الخيرات الجسمانية فهو الأمر بالصدقة ، وإن كان من الخيرات الروحانية بتكميل القوة النظرية أو العملية فهو الأمر بالمعروف . والثاني هو الإصلاح بين الناس فثبت أن الآية مشتملة على جوامع الخيرات ومكارم الأخلاق ، وهذه الأوامر وإن كانت مستحسنة في الظاهر إلاّ أنها لا تقع في حيّز القبول إلاّ إذا عمل صاحبها بما أمر كيلا يكون من زمرة {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] {لم تقولون ما لا تفعلون} [الصف: 1] وإلاّ إذا طلب بها وجه الله فلهذا قال: {ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجراً عظيماً} ويمكن أن يقال: إنّ معنى {ومن يفعل} الأمر والمراد ومن يأمر فعبر عن الأمر بالفعل لأنّ الأمر فعل من الأفعال . والمراد بقوله: {من أمر} من فعل لأنّ الأمر يلزمه الفعل غالباً . ثم قال: {ومن يشاقق الرسول} قال الزجاج: إنّ طعمة كان قد تبيّن له بما أظهر الله من أمره ما دلّه على صحة نبوة محمد صلى الله عليه وسلم فعادى الرسول وأظهر الخلاف وارتد على عقبيه واتبع دين عبادة الأوثان وهو غير دبن الموحدين وسبيلهم . ومعنى {نوله ما تولى} نجعله والياً لما اختاره لنفسه ونكله إلى ما توكل عليه . قال بعض الأئمة: هذا منسوخ بآية السيف ولا سيما في حق المرتد . والظاهر أن المراد به الطبع والخذلان {ونصله جهنم} نلزمه إياها {وساءت مصيراً} هي . وانتصب {مصيراً} على التمييز من الضمير المبهم في ساءت لأنه يعود إلى ما في الذهن لا إلى المذكور . يحكى أنّ الشافعي سئل عن آية في كتاب الله دالّة على أن الإجماع حجة ، فقرأ القرآن ثلثمائة مرة حتى وقف على هذه الآية . ووجه الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام لأنه تعالى جمع بين اتباع غير سبيلهم وبين مشاقة الرسول ورتب الوعيد عليهما ، واتباع غير سبيل المؤمنين يلزمه عدم