{يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ} [آل عمران: 106]
فذلك لأن الوجه هو العضو المواجه الذي توجد به تميزات تبيّن وتوضح ملامح الأشخاص. لأننا لن نتعرف على واحد من كتفه أو من رجله ، بل تعرف الأشخاص من سمات الوجوه.
وعندما نسمع قول الحق:
{كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} [القصص: 88]
فإننا نتساءل: ما المراد بالوجه هنا ؟
إن أردنا الوجه الذي يشبه وجوهنا فهذا وقوع في المحظور ، لأن كل شيء متعلق بالله سبحانه وتعلى نأخذه على ضوء"ليس كمثله شيء"نقول ذلك حتى لا يقولن قائل: ما دام وجه الله هو الذي لن يهلك يوم القيامة فهل تهلك يده أو غير ذلك ؟. لا ؛ إن الحق حين قال: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ} فالمقصود بذلك ذاته فهو سبحانه وتعالى منزه عن التشبيه وسبحانه القائل:
{فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]
إذن فوجه الله - هنا - هو الجهة التي يرتضيها ، والإنسان يتجه بوجهه إلى الكعبة في أثناء الصلاة. وإياك أن تظن أنك حينما تولي وجهك صوب الكعبة أنها وجه الله ؛ لأن الله موجود في كل الوجود ، فأي متجه للإنسان سيجد فيه الله ، بدليل أننا نصلي حول الكعبة ، وتكون شرق واحد وغرب آخر ، وشمال ثالث ، وجنوب رابع ، فكل الجهات موجودة في أثناء الطواف حول الكعبة وفي أثناء الصلاة ، والكعبة موجودة هكذا لنطوف حولها ، ولتكون متَّجَهنا إلى الله في جميع الاتجاهات.
{فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]
أي الجهة التي ارتضاها سبحانه وتعالى.
ونحن هنا في هذه الآية نرى قول الله: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله} . وأسلم وجهه أي أسلم اتجاهه ؛ لأن الإنسان حين يكون ذاهباً إلى قصد أو هدف أو غرض ، فيكون وجهه هو المتجه ؛ لأن الإنسان لا يسير بظهره. والوجه هنا - إذن - هو الاتجاه.