وأما تبليغ دعوة إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - لمّا بنى البيت بالحج في الناس فبلغ صوته مَن قضى الله أن يحجّ, قلنا لمحمد - صلى الله عليه وسلم - أبلغ من ذلك فإنه زُويت له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها وقال: «سيبلغ مُلْك أمّتي مازوي لي منها» ولو أراد أن يبلّغ الله صوته ما بلغ نظره لكان ذلك, وما أُعطي محمد - صلى الله عليه وسلم - أعظم مما أُعطي إبراهيم عليه الصلاة والسلام, وقد أعطى الله بعض أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن بلغ صوته حيث أراد وكشف عن بصيرته وبصره المسافة البعيدة مسيرة شهر وذلك ما رواه أبو نعيم بإسناده عن عمرو بن الحارث قال:"بينما عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخطب يوم الجمعة إذ ترك الخطبة فقال: يا ساري الجبل مرتين أو ثلاثاً ثم أقبل على خطبته, فقال أولئك النظراءُ من أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم: لقد جُنَّ إنه لمجنون, بينا هو في خطبته قال: يا ساري الجبل, فدخل عليه عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - وكان يطمئنّ إليه فقال: لشدّ ما ألُومُهم عليه أنك لتجعل لهم على نفسك مقالاً بينا أنت تخطب إذ أنت تصيح: يا سارية الجبل أيّ شيء هذا؟ قال: إني والله ما ملكت ذلك أن رأيتهم يقاتلون عند جبل يُؤتَون من بين أيديهم ومن خلفهم فلم أملك أن قلت: يا ساري الجبل ليلحقوا بالجبل, فلبثوا إلى أن جاء رسول سارية بكتابه أنّ القوم لقونا يوم الجمعة فقاتلناهم من حين صلينا الصّبح حتى إذا حضرت الجمعة وسمعنا منادياً ينادي: يا ساري الجبل مرتين فلحقنا بالجبل فلم نزل قاهرين لعدوِّنا حتى هزمهم الله تعالى وقتلهم, فقال أولئك الذين طعنوا عليه: دعوا هذا الرجل فإنه مصنوع له". انتهى انتهى {خصائص سيد العالمين، للسُّرَّمَرِّي} ...