وأقول: فيه عندي وجه آخر، وهو أن جوهر الروح إذا كان مضيئاً مشرقاً علوياً قليل التعلق باللذات الجسمانية والأحوال الجسدانية، ثم انضاف إلى مثل هذا الجوهر المقدس الشريف أعمال تزيده صقالة عن الكدورات الجسمانية وأفكار تزيده استنارة بالمعارف القدسية والجلايا الإلهية، صار مثل هذا الإنسان متوغلاً في عالم القدس والطهارة متبرئاً عن علائق الجسم والحس، ثم لا يزال هذا الإنسان يتزايد في هذه الأحوال الشريفة إلى أن يصير بحيث لا يرى إلاّ الله، ولا يسمع إلاّ الله، ولا يتحرك إلاّ بالله، ولا يسكن إلاّ بالله، ولا يمشي إلا بالله، فكان نور جلال الله قد سرى في جميع قواه الجسمانية وتخلل فيها وغاص في جواهرها، وتوغل في ماهياتها، فمثل هذا الإنسان هو الموصوف حقاً بأنه خليل لما أنه تخللت محبة الله في جميع قواه، وإليه الإشارة بقول النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه:"اللّهم اجعل في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً وفي بصري نوراً وفي عصبي نوراً". انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 11 صـ 47 - 48}
قوله تعالى: {واتخذ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} قال ثعلب: إنما سمي الخليل خليلاً لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللاً إلاَّ ملأته؛ وأنشد قول بشار:
قد تخلّلتَ مسلك الروح منِّي ... وبه سُمِّيَ الخليلُ خليلاَ
وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم.
وقيل: هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وإبراهيم كان محبّاً لله صلى الله عليه وسلم وكان محبوباً لله.
وقيل: الخليل من الاختصاص فالله عزّ وجل أعلم اختص إبراهيم في وقته للرسالة.
واختار هذا النحاس قال: والدليل على هذا قول النبيّ صلى الله عليه وسلم:"وقد اتخذ الله صاحبكم خليلاً"يعني نفسه.
وقال صلى الله عليه وسلم:"لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً"أي لو كنت مختصاً أحداً بشيء لاختصصت أبا بكر رضي الله عنه.