والكسب كما يقول الراغب - ما يتحراه الإنسان مما فيه اجتلاب نفع وتحصيل حظ، ككسب المال. وقد يستعمل فيما يظن الإنسان أنه يجلب منفعة له ثم استجلب به مضرة. وقد ورد في القرآن في فعل الصالحات والسيئات فمما استعمل في الصالحات قوله: أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمانِها خَيْراً. ومما استعمل في السيئات قوله: إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ.
ومنه قوله - تعالى - هنا وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ
أي. ومن يرتكب إثما من الآثام التي نهى الله عن ارتكابها، فإن ضرر ذلك يعود على نفسه وحدها. وما دام الأمر كذلك فعلى العاقل أن يبتعد عن الذنوب والآثام حتى ينجو من العقاب.
وقوله وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً
تذييل قصد به التحذير من سوء عاقبة اكتساب الآثام.
أي: وكان الله عليما بما في قلوب الناس وبما يقولون ويفعلون، حكيما في كل ما قدر وقضى.
وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من خير أو شر ثم بين - سبحانه - المصير السيئ الذي ينتظر أولئك الذين يرتكبون السوء ثم يرمون به غيرهم فقال: وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً.
وقد قيل: إن الخطيئة والإثم هنا بمعنى واحد وقد جيء بهما على اختلاف لفظيهما للتأكيد المعنوي. ولم يرتض كثير من العلماء هذا القيل بل قالوا هما متغايران. وأن المراد بالخطيئة:
المعصية الصغيرة. والمراد بالإثم: المعصية الكبيرة. وقال آخرون: الفرق بين الخطيئة والإثم أن الخطيئة تكون عن عمد وعن غير عمد. والإثم لا يكون إلا عن عمد.
ويبدو لنا من تعبير القرآن عن الخطيئة أن المراد بها الذنوب التي يرتكبها صاحبها عن استهانة وعدم اكتراث، لأنه لكثرة ولوغه في الشرور صار يأتيها بلا مبالاة. قال - تعالى - بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ وقال - تعالى - مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً.
وأن المراد بالإثم هنا: الذنوب التي يرتكبها الإنسان عن تعمد وإصرار فتؤدى به إلى الإبطاء عن الاتجاه إلى الله بالاستغفار والتوبة، لأن الإثم كما يقول الراغب -: اسم للأفعال المبطئة عن الثواب.