ولكن الطائفة الثانية التي سوف تترك المواقع من أجل الركعة الثانية خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فبالهم مشغول بذواتهم وبحماية من يصلون ، فلعلهم حين يذهبون إلى الصلاة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم تلهيهم المسألة ؛ لذلك قال الله: {وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ} وهكذا نجد أن الطائفة الأولى ملزمة بأخذ السلاح ، والطائفة الثانية ملزمة بأخذ الحذر والسلاح.
وقد يقول قائل: صحيح إن الأسلحة تؤخذ ، ولكن كيف يؤخذ الحذر وهو عملية معنوية ؟
ونقول: إنه سبحانه يصور المعنويات ويجسمها تجسيم الماديات حتى لا يغفل الإنسان عنها ، فكأن الحذر آلة من آلات القتال ، وإياك أيها المقاتل أن تغفل عنها.
وهذا أمر يشيع في أساليب القرآن الكريم ، فالحق سبحانه يقول:
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ} [الحشر: 9]
والدار هي مكان باستطاعة الإنسان أن يتبوأه ويقيم به ، فما معنى أن يتبوأ الإنسان الإيمان وهو أمر معنوي ؟. إنه سبحانه في هذا القول يصف الأنصار الذين أكرموا وفادة المهاجرين ، والدار - كما نعرف - هي المكان الذي يرجع إليه الإنسان ، والإيمان هو مرجع كل أمر من الأمور.
إذن فقد جعل الحق سبحانه الإيمان كأنه يُتبوأ ، أي جعله شيئاً ينزل الإنسان فيه ، والإيمان كذلك حقاً ، والدار في هذا القول مقصود بها هنا المدينة المنورة ، حيث استقبل الأنصار المهاجرين.
{وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَائِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [الحشر: 9]