وَقَدْ كَانَتْ الصَّلَاةُ مَفْرُوضَةً فِي حَالِ الْخَوْفِ قَبْلَ الْخَنْدَقِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ ؛ وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ قَبْلَ الْخَنْدَقِ ، فَثَبَتَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقِتَالَ يُنَافِي الصَّلَاةَ وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ مَعَهُ.
وَأَيْضًا فَلَمَّا كَانَ الْقِتَالُ فِعْلًا يُنَافِي الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ مَعَهُ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ ، كَانَ حُكْمُهُ فِي الْخَوْفِ كَهُوَ فِي غَيْرِهِ ، مِثْلُ الْحَدَثِ وَالْكَلَامِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلصَّلَاةِ ؛ وَإِنَّمَا أُبِيحَ لَهُ الْمَشْيُ فِيهَا ؛ لِأَنَّ الْمَشْيَ لَا
يُنَافِي الصَّلَاةَ فِي كُلِّ حَالٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا سَلَفَ ، وَلِأَنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ الْمَشْيَ لَا يُفْسِدُهَا ، فَسَلَّمْنَاهُ لِلْإِجْمَاعِ ، وَمَا عَدَاهُ مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلصَّلَاةِ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَصْلِهِ.
قَوْله تَعَالَى: {فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ} يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُونَ بِأَخْذِ السِّلَاحِ الطَّائِفَةُ الَّتِي مَعَ الْإِمَامِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ ؛ لِأَنَّ فِي الْآيَةِ ضَمِيرًا لِلطَّائِفَةِ الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ ، وَضَمِيرُهَا ظَاهِرٌ فِي نَسَقِ الْآيَةِ فِي قَوْلِهِ: {وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ} .