وأياً ما كان فكلمةُ أو إما للتنويع على معنى أن خشيةَ بعضِهم كخشية الله وخشيةَ بعضِهم أشدُّ منها، وإما للإبهام على السامع وهو قريبٌ مما في قوله تعالى: {وأرسلناه إلى مِاْئَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ} يعني أن من يبصرهم يقول إنهم مائة ألف أو يزيدون {وَقَالُواْ} عطف على جواب لما أي فلما كتب عليهم القتالُ هلع فريقٌ منهم خشيةَ الناسِ وقالوا: {رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا القتال} في هذا الوقتِ لا على وجه الاعتراضِ على حكمه تعالى، والإنكارِ لإيجابه، بل على طريق تمنِّي التخفيفِ {لَوْلا أَخَّرْتَنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ} استزادةٌ في مُدة الكفِّ واستمهالٌ إلى وقت آخرَ حذراً من الموت، وقد جُوِّز أن يكون هذا مما نَطَقت به ألسنةُ حالِهم من غير أن يتفوهوا به صريحاً.
{قُلْ} أي تزهيداً لهم فيما يؤمِّلونه بالقعود من المتاع الفاني وترغيباً فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي {متاع الدنيا} أي ما يُتَمتّع ويُنتفع به في الدنيا {قَلِيلٌ} سريعُ التقضِّي وشيكُ الانصرامِ وإن أُخِّرتم إلى ذلك الأجلِ {والآخرة} أي ثوابُها الذي من جملته الثوابُ المنوطُ بالقتال {خَيْرٌ} أي لكم من ذلك المتاعِ القليلِ، لكثرته وعدمِ انقطاعِه وصفائِه عن الكدورات وإنما قيل: {لِمَنِ اتقى} حثاً لهم على اتقاءِ العِصيانِ والإخلالِ بمواجب التكليفِ {وَلاَ تُظْلَمُونَ فَتِيلاً} عطفٌ على مقدر ينسحب عليه الكلامُ أي تُجزَوْن فيها ولا تُنقَصون أدنى شيء ٍ من أجور أعمالِكم التي من جملتها مسعاكم في شأن القتالِ فلا ترغبوا عنه، والفتيلُ ما في شق النواةِ من الخيط يضرب به المثلُ في القلة والحقارة. انتهى انتهى. {تفسير أبي السعود حـ 2 صـ 203 - 204}