وهذا إخبارٌ منه سبحانه يتضمَّن تحقيرَ الدُّنْيا، قلْتُ: ولِمَا عَلِمَ اللَّهُ في الدنيا مِنَ الآفات، حمى منها أولياءه، ففِي الترمذيِّ عن قتادة بن النُّعْمَان، عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ أنَّهُ قَالَ:"إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْداً، حَمَاهُ الدُّنْيَا؛ كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يَحْمِي سَقِيمَهُ المَاءَ"، قال أبو عيسى: وفي البابِ عَنْ صُهَيبٍ، وأُمِّ المُنْذِرِ، وهذا حديثٌ حسنٌ، وفي الترمذيِّ عن ابن مسعودٍ قال:"نَامَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم على حَصِيرٍ، فَقَامَ وَقَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوِ اتخذنا لَكَ فِرَاشاً؟! فَقَالَ: مَالِي ومَا لِلدُّنْيَا، مَا أَنَا فِي الدُّنْيَا إلاَّ كَرَاكِبٍ استظل تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ وَتَرَكَهَا"، وفي الباب عن ابنِ عُمَر، وابن عبَّاس، قال أبو عيسى: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. انتهى انتهى. {الجواهر الحسان حـ 1 صـ 391 - 392}
فصل
قال الفخر:
وإنما قلنا: إن الآخرة خير لوجوه:
الأول: أن نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة.
والثاني: أن نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة.
والثالث: أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات.
والرابع: أن نعم الدنيا مشكوكة فإن أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني، ونعم الآخرة يقينية، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله: {لِمَنِ اتقى} وهذا هو المراد من قوله عليه الصلاة والسلام:"الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر". انتهى انتهى. {مفاتيح الغيب حـ 10 صـ 149}