وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ (2: 191) ، مِنْ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، حَتَّى كَانَ ذَلِكَ سَبَبَ الْهِجْرَةِ وَمَا كُلُّ أَحَدٍ قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ ، فَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَصَاحِبُهُ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - هَاجَرَا لَيْلًا ، وَلَوْ ظَفِرُوا بِهِمَا لَقَتَلُوهُمَا إِنِ اسْتَطَاعُوا ،
وَكَانُوا يَصُدُّونَ سَائِرَ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْهِجْرَةِ ، وَيُعَذِّبُونَ مُرِيدَهَا عَذَابًا نُكْرًا ، وَمَا كَانَ سَبَبُ شَرْعِ الْقِتَالِ إِلَّا عَدَمَ حُرِّيَّةِ الدِّينِ ، وَظُلْمَ الْمُشْرِكِينَ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَمَعَ هَذَا كُلِّهِ ، وَمَا أَفَاضَتْ بِهِ الْآيَاتُ مِنْ بَيَانِهِ ، يَقُولُ الْجَاهِلُونَ وَالْمُتَجَاهِلُونَ: إِنَّ الْإِسْلَامَ نُشِرَ بِالسَّيْفِ وَالْقُوَّةِ ، فَأَيْنَ كَانَتِ الْقُوَّةُ مِنْ أُولَئِكَ الْمُسْتَضْعَفِينَ ؟ !
الْقِتَالُ فِي نَفْسِهِ أَمْرٌ قَبِيحٌ ، وَلَا يُجِيزُ الْعَقْلُ السَّلِيمُ ارْتِكَابَ الْقَبِيحِ إِلَّا لِإِزَالَةِ شَرٍّ أَقْبَحَ مِنْهُ ، وَالْأُمُورُ بِمَقَاصِدِهَا وَغَايَاتِهَا ، وَلِذَلِكَ بَيَّنَ الْقُرْآنُ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ حِكْمَةَ الْقِتَالِ وَكَوْنِهِ لِلضَّرُورَةِ وَإِزَالَةِ الْمَفْسَدَةِ ، وَإِدَالَةِ الْمَصْلَحَةِ ، وَلَمْ يَكْتَفِ هُنَا بِبَيَانِ مَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ كَوْنِ الْقِتَالِ الْمَأْمُورِ بِهِ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَهِيَ سَبِيلُ الْحَقِّ وَالْعَدْلِ ، وَإِنْقَاذِ الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمَظْلُومِينَ مِنَ الظُّلْمِ ، حَتَّى أَكَّدَهُ بِإِعَادَةِ ذِكْرِهِ ، مَعَ مُقَابَلَتِهِ بِضِدِّهِ ، وَهُوَ مَا يُقَاتِلُ الْكُفَّارُ لِأَجْلِهِ ، فَقَالَ: