ابْتِعَادٌ عَنِ الْوَاجِبِ الَّذِي أُمِرُوا بِهِ ، وَإِخْفَاءُ الْحَقِّ بِإِخْفَاءِ وَسَائِلِهِ هُوَ عَيْنُ الْإِضَاعَةِ لِلْحَقِّ ، فَإِذَا رَأَيْنَا الْجَهْلَ بِالْحَقِّ وَالْخَيْرِ فَاشِيًا بَيْنَ النَّاسِ وَاسْتُبْدِلَتْ بِهِ الشُّرُوعُ وَالْبِدَعُ ، وَرَأَيْنَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يُعَلِّمُوهُمْ مَا يَجِبُ فِي ذَلِكَ فَيُمْكِنُنَا أَنْ نَجْزِمَ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْعُلَمَاءَ لَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ ، وَهِيَ مَا اسْتُحْفِظُوا عَلَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللهِ ، وَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي تَرْكِ اسْتِبَانَةِ الطَّرِيقِ الْمُوَصِّلِ إِلَى ذَلِكَ بِسُهُولَةٍ وَقُرْبٍ ، فَهُمْ خَوَنَةُ النَّاسِ وَلَيْسُوا بِالْأُمَنَاءِ .
أَقُولُ: يَعْنِي رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يَعْرِفُوا الطُّرُقَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى
إِيصَالِ الْعِلْمِ إِلَى النَّاسِ وَقَبُولِهِ ، وَهَذِهِ الطُّرُقُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ كَمَا تَخْتَلِفُ الطُّرُقُ الَّتِي تُؤَدَّى بِهَا أَمَانَةُ الْمَالِ ، فَفِي هَذَا الْعَصْرِ تُؤَدَّى الْأَمْوَالُ إِلَى أَصْحَابِهَا بِطُرُقٍ لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً فِي الْعُصُورِ السَّابِقَةِ ، مِنْهَا التَّحْوِيلُ عَلَى مَصْلَحَةِ الْبَرِيدِ ، وَمِنْهَا الْمَصَارِفُ وَمِنْهَا غَيْرُ ذَلِكَ .
وَكَذَلِكَ تُوجَدُ طُرُقٌ لِنَشْرِ الْعِلْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَسْهَلُ مِنَ الطُّرُقِ السَّابِقَةِ ، فَمَنْ أَبَى سُلُوكَهَا لَا يُعْذَرُ بِعَدَمِ تَأْدِيَتِهِ لِأَمَانَةِ الْعِلْمِ النَّافِعِ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْعَالِمِ أَنْ يَتَصَدَّى لِتَعْلِيمِ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبَ إِذَا سُئِلَ ، وَرُبَّمَا قَيَّدُوا هَذَا بِمَا إِذَا فُقِدَ