وقال رحمه الله تعالى قبل ذلك: إن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم ، وسلكوا ضد طريق أهل العلم ، أما أمر الله تعالى ، فإنه أمر أن يرد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله ، والمقلدون قالوا: إنما نرده إلى من قلدناه ، وأما أمر رسوله فإنه صَلّى اللهُ عليّه وسلّم أمر عند الاختلاف بالآخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين ، وأمر أن يتمسك بها ويعض عليها بالنواجذ ، وقال المقلدون: بل عند الاختلاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل ما عداه ، وأما هدي الصحابة رضي الله عنهم فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن شخص واحد يقلد رجلاً في جميع أقواله ويخاف من عداه من الصحابة بحيث لا يرد من أقواله شيئاً ولا يقبل من أقوالهم شيئاً ، وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث ، وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهو عن تقليدهم وحذروا منه ، كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم وأقوال خلفائه الراشدين ، فما وافق ذلك منها قبلوه ودانوا الله تعالى به ، وقبضوا به وأفتوا به ، وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردوه ، وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الأتباع لا واجبة الاتباع ، من غير أن يلزموا بها أحداً ولا يقولوا إنها الحق دون ما خلفها ، هذه طريقة أهل العلم سلفاً وخلفاً ، وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين ، فزيفوا كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم وأقوال خلفائه وجميع أصحابه ، وعرضوها على أقوال من قلدوه ، فما وافقها منها قالوا: لنا ؛ وانقادوا مذعنين ، وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتج الخصم بكذا وكذا ، ولم يقبلوه ولم يدينوا به ، واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن ، وتطلبوا لها وجوه الحيل التي