[النحل: 1] .
"وأتى"هذه فعل ماض ، وقوله:"أتى"يدل على أنه أمر قد حدث قبل أن يتكلم ، وقوله: {فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ} دلّ على أنه لم يحدث ، فالذي يشكك في القرآن يقول: ما هذا الذي يقوله القرآن. ؟ يقول:"أتى"وهو لم يأت ؟.. نقول له: هذا الكلام عندك أنت. لكن إذا قال الله: إنه"أتى"فهو آتٍ لا محالة ، فاحكم على الحدث المستقبل من الله على أنه أمر كائن كما يكون كائناً ماضياً ، ما دام قال فلا رادّ لأمره. {أَتَى أَمْرُ اللَّهِ} فهي تعني سيأتي. ولا توجد قدرة في خلقه تصرف مراده أو تعجزه عن أن يفعل.
وقوله سبحانه: {وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً} جاء لأنه قال من قبل"أو نلعنهم"هذه مستقبل. وقد يقول قائل: أن"نلعنهم"تعني أن اللعنة لم تأت وقد لا تحدث ، ونقول: لا ؛ لأن أمر الله كان مفعولاً ، فإياك أن تأخذ"نلعن"هذه التي للمستقبل كي تطبقها عند ربنا ، لأن الحق سبحانه وتعالى يوضح لك: أنت الذي عندك المستقبل ، والمستقبل قد يقع منك أو لا يقع ؛ لأنك لا تملك أسباب نفسك ، تقول: سأعمل الشيء الفلاني غداً. وقد يأتي غداً وتكون أنت غير موجود هذه واحدة ، أو تقول: سأقابل فلانا. وفلان هذا قد لا يكون موجوداً فقد يموت ، أو قد يتغير رأيك ويأتيك الشيء الذي كنت تطلبه قبل أن تتكلم مع ذلك الإنسان ، أو قد تقول: أنا سأنتقم من فلان ، وعندما يأتي وقت الانتقام يهدأ قلبك.
إذن فأنت لا تملك شيئاً من هذا ، فلا يصح أن تجادل ؛ ولذلك يعلمنا الله الأدب مع الأحداث ومع الكون ومع المكون ، ويخرجنا عن أن نكون كذابين فيقول لرسوله:
{وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ} [الكهف: 23 - 24] .
يعلمك الحق ذلك حتى لا تكون كذاباً ، فإن قلت: أنا فاعل ذلك غداً ثم لا تفعله ، وما دمت لا تفعله فتكون كذاباً مجترئاً ؛ لأنك افترضت في نفسك القدرة على الوجود.