وقوله: (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا) فيه أقوال:
أحدها: أنه أشار إلى أُمته ، ويكون قوله: (مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) عامًّا.
وخصّ النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمته بالذكر تعظيمًا لهم.
والثاني: ما قاله ابن عباس: إن هذه الأمة تشهد للأنبياء ، والنبي
-صلى الله عليه وسلم - يشهد لأمته تزكيةً لهم.
واستدلَّ بقوله: (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدً) .
والثالث: إن قوله: (عَلَى هَؤُلَاءِ)
إشارة إلى الأنبياء الذين هم الشهداء على أممهم.
إن قيل: كيف يصح أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - شاهدًا للأنبياء الذين قبله وهو لم يحضرهم ؟ وأي فائدة لشهادته وشهادتهم ؟
قيل: إن الأنبياء لم يختلفوا في أصول ما دعوا إليه.
بل كلُهم لسان واحد في الدعاء إلى التوحيد.
وأصول الاعتقادات والعبادات ، وسائر جمل الشريعة.
وعلى ذلك نبَّه بقوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) الآية.
وكل واحد منهم معتقد لما اعتقده الآخر ، ومبلِّغ ذلك مثل ما بلَّغه الآخر.
ثم شريعة النبي - صلى الله عليه وسلم - جامعة لأصول شرائع من تقدّمه ، ولذلك قيل له: خاتم الأنبياء ، وعليه نبّه - صلى الله عليه وسلم - بقوله:"مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بيتًا ، وترك موضع لبنة منه ، فكنت موضع اللبنة"،
وبهذا المعنى ألم بعض المُحدثين فقال:
نُسِقوا لنا نَسْقَ الحساب مقدّمًا ... وأتى فذلك إذ أتيت مؤخرًا
وأما فائدة إقامتها عليهم فتبكيت للعاصين ، وتشنيع عليهم.
وتزكية للمؤمنين ، على ما ذكر في قوله: (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) .