وشهد له ما تقدم وما رواه الطبراني في المعجم الصغير من حديث عَمْرة عن عائشة قالت: فقدت رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ذات ليلة ، فقلت: إنه قام إلى جاريته مارية ، فقمت ألتمس الجدار فوجدته قائماً يصلي ، فأدخلت يدي في شعره لأنظر: أغتسل أم لا ؟ فلما انصرف قال: أخذك شيطانك يا عائشة ، وفيه محمد بن إبراهيم عن عائشة ، قال ابن أبي حاتم: ولم يسمع منها .
قال ابن جرير: وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: عنى الله بقوله: {أَوْ لاَمَسْتُمُ النّسَاء} الجماع دون غيره من معاني اللمس ، لصحة الخبر عن رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم أنه قبّل بعض نسائه ثم صلى ولم يتوضأ ، ثم أسنده من طرق ، وبه يعلم أن حديث عائشة قرينة صرفت إرادة المعنى الحقيقي من اللمس ، وأوجبت المصير إلى معناه المجازي .
وأما ما روي عن ابن عمر وابن مسعود ، فنحن لا ننكر صحة إطلاق اللمس على الجس باليد ، بل هو المعنى الحقيقي ، ولكنا ندعي أن المقام محفوف بقرائن توجب المصير إلى المجاز ، وأما قولهم: بأن القبلة فيها الوضوء ، فلا حجة في قول الصحابي: لا سيما إذا وقع معارضاً لما ورد عن الشارع ، ويؤيد ذلك قول اللغويين ، أن المراد بقول بعض الأعراب للنبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: إن امرأته لا تردّ يد لامس ، الكناية عن كونها زانية ، ولهذا قال له صَلّى اللهُ عليّه وسلّم: ( طلقها ) .
وأما حديث معاذ الذي استأنسوا به فلا دلالة فيه على النقض ، لأنه لم يثبت أنه كان متوضئاً قبل أن يأمره النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم بالوضوء ، ولا ثبت أنه كان متوضئاً عند اللمس ، فأخبره النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم أنه قد انتقض وضوؤه كذا في"نيل الأوطار".