{حَتّىَ تَغْتَسِلُواْ} من الجنابة: أي: لا تقربوا موضع الصلاة ، وهو المسجد ، وأنتم جنب ، إلا مجتازين فيه ، إما للخروج منه أو للدخول فيه .
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس في معنى الآية قال: قَالَ: لَا تَدْخُلُوا الْمَسْجِد وَأَنْتُمْ جُنُب إِلّا عَابِرِي سَبِيل ، قَالَ: تَمُرّ بِهِ مَرّا ، وَلَا تَجْلِس ، ثُمّ رواه عن كثير من الصحابة ، منهم ابن مسعود وثلة من التابعين .
وروى ابن جرير عن اللّيْث قَالَ: حَدّثَنَا يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ قَوْل اللّه عَزّ وَجَلّ: {وَلَا جُنُباً إِلّا عَابِرِي سَبِيل} إِنّ رِجَالاً مِنْ الْمَسْجِد تُصِيبهُمْ الْجَنَابَة ، وَلَا مَاء عِنْدهمْ فَيَرِيدُونَ الْمَاء وَلَا يَجِدُونَ مَمَرّا إِلّا فِي الْمَسْجِد ، فَأَنْزَلَ اللّه: {وَلَا جُنُباً إِلّا عَابِرِي سَبِيل} .
قال الحافظ ابن كثير: وَيَشْهَد لِصِحّةِ مَا قَالَهُ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب رَحِمَهُ اللّه ، مَا ثَبَتَ فِي صَحِيح البخاريّ أَنّ رَسُول اللّه صَلّى اللهُ عليّه وسلّم قَالَ: ( سُدّوا كُلّ خَوْخَة فِي الْمَسْجِد ، إِلّا خَوْخَة أَبِي بَكْر ) .
وَهَذَا قَالَهُ صَلّى اللهُ عليّه وسلّم فِي آخِر حَيَاته ، عِلْماً مِنْهُ أَنّ أَبَا بَكْر - رَضِي اللّهُ عَنْهُ - سَيَلِبي الْأَمْر بَعْده وَيَحْتَاج إِلَى الدّخُول فِي الْمَسْجِد كَثِيراً لِلْأُمُورِ الْمُهِمّة فِيمَا يَصْلُح لِلْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَرَ بِسَدّ الْأَبْوَاب الشّارِعَة إِلَى الْمَسْجِد إِلّا بَابه - رَضِي اللّهُ عَنْهُ - ، وَمَنْ رَوَى إِلّا بَاب عليّ كَمَا وَقَعَ فِي بَعْض السّنَن فَهُوَ خَطَأ وَالصّوَاب مَا ثَبَتَ فِي الصّحِيح .
وَمِنْ هَذِا التأويل اِحْتَجّ كَثِير مِنْ الْأَئِمّة عَلَى أَنّهُ يَحْرُم عَلَى الْجُنُب الْمُكْث فِي الْمَسْجِد ، وَيَجُوز لَهُ الْمُرُور .