وأما آية المائدة فإنه لما تقدم قبلها حلية طعام أهل الكتاب وجواز نكاح نسائهم على الحاصل من قوله تعالى:"اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم"وحال بني إسرائيل من تحريم الشحوم عليهم وغير ذلك مما شدد عليهم فيه مما هو أمر مرفوع عنا ناسب ذلك تعقيب آية المائدة بقوله تعالى:"ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون"فجاء كل على ما يناسب.
والجواب عن السؤال الثالث: أن آية النساء غير مقصود بها ما قصد بآية المائدة من الإطناب وتأمل ما انطوت عليه كل آية منها من عدد الكلم والحروف من لدن قوله تعالى فِي النساء"يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى"إلى قوله"وأيديكم"وقوله فِي المائدة"يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم"إلى قوله"وأيديكم منه"تجد آية العقود يزيد عدد حروفها على آية المائدة بضعا وثلاثين حرفا فلما أطيل فِي هذه ناسبها ما أعقبت به وبنى عليها من قوله"ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون"وناسب إيجاز آية النساء ما بنى عليها من قوله"إن الله كان عفوا غفورا"إيجازا بإيجاز وإطنابا بإطناب.
فإن قيل: إن الإيجاز فِي الكتاب عمدة ما بنى عليه وهو الجارى فِي بلاغته وإنما يكون إطناب الكلام لحامل وداع فما الحامل على ذلك فِي آية المائدة ؟