فصل
قال القرطبي:
قوله تعالى: {صَعِيداً طَيِّباً} الصعيد: وجه الأرض كان عليه تراب أو لم يكن؛ قاله الخليل وابن الأعرابي والزجاج.
قال الزجاج: لا أعلم فيه خلافاً بين أهل اللغة، قال الله تعالى: {وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً} [الكهف: 8] أي أرضا غليظة لا تنبت شيئاً.
وقال تعالى: {فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً} [الكهف: 40] .
ومنه قول ذي الرمة:
كأنّه بالضّحَى ترمي الصعِيدَ به ... دبّابة في عظام الرأس خُرْطُومُ
وإنما سمي صعيدا لأنه نهاية ما يُصْعَد إليه من الأرض.
وجمع الصعيد صُعُدات؛ ومنه الحديث:"إياكم والجلوسَ في الصُعدات"واختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيبَّ؛ فقالت طائفة: يتيمم بوجه الأرض كله ترابا كان أو رملا أو حجارة أو معدنا أو سَبخة.
هذا مذهب مالك وأبي حنيفة والثوري والطبري.
"وطيبا"معناه طاهرا.
وقالت فرقة:"طيبا"حلالا؛ وهذا قلق.
وقال الشافعي وأبو يوسف: الصعيد للتراب المنبت وهو الطيب؛ قال الله تعالى: {والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ} [الأعراف: 58] فلا يجوز التيمم عندهم على غيره.
وقال الشافعي: لا يقع الصعيد إلاّ على تراب ذي غُبار.
وذكر عبدالرزاق عن ابن عباس أنه سئل أي الصعيد أطيب؟ فقال الحَرْث.
قال أبو عمر: وفي قول ابن عباس هذا ما يدل على أن الصعيد يكون غير أرض الحرث.
وقال علي رضي الله عنه: هو التراب خاصة.
وفي كتاب الخليل: تيمم بالصعيد، أي خذ من غباره؛ حكاه ابن فارس.
وهو يقتضي التيمم بالتراب فإن الحجر الصّلد لا غبار عليه.
وقال الكِيَا الطبري: واشترط الشافعي أن يَعْلَق التراب باليد ويتيمم به نقلا إلى أعضاء التيمم، كالماء ينقل إلى أعضاء الوضوء.
قال الكِيَا: ولا شك أن لفظ الصعيد ليس نصا فيما قاله الشافعي، إلاّ أن قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"جُعلت لي الأرض مسجداً وترابها طهوراً"بيّن ذلك.