إذن فكلمة"من لدنه"هذه تعطيك الباب الواسع الذي يتناسب مع الله. فالأرض تعطيك على قدر جهدك ، وعلى قدر العناصر الغذائية الموجودة فيها.. والذي عنده وبيده الخير وخلق كل الكون يوضح: إذا كان خلق من خلقي يعطي حتى الكافر ، سبعمائة ضعف فالذي خلق هذا يعطي للمؤمن أجراً للحسنة بلا حدود ؛ ولذلك فالإيناسات التمثيلية في الكون يتركها الله لتقرب للعقل المعنى البعيد الذي قد يقف فيه. فالإنسان منا مادة: هي البدن وتحل فيه الروح. وعندما تسحب الروح من البدن ، ماذا يصير ؟ يصير الجسد رِمة ، ويتحلل لعوامله الأولى وتنتهي منه مظاهر الحياة.
إذن فالروح هي السبب في الحركة ، وفي أن كل جهاز يقوم بعمله ، وفي النمو ، وعندما تسحب الروح ينتهي الأمر ، إن الروح هي التي تدير كل هذا الجسم ، والروح لا لون لها ، ولا أحد يراها ، ولا يشمها كائن ، فكيف ندركها إذن ؟
نقول: إن الجوهر الذي يدخل في جسدك ويعطيه الحركة فيديره. أنت لا تراه ولا تحسّه ، وهو غيب بالنسبة لك ، فإذا حُدّثت أن ربك غيب فلا تتعجب ، فروحك التي بين جنبيك لا تعرف كُنهها ، وعليك إذن أن تصدق عندما يقال لك: ربك ليس بمحدود بمكان وعنما يقول سبحانه:
{لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ} [الأنعام: 103] .
فكلنا نقول: نعم هذا كلام صحيح ؛ لأنه إذا كان هناك مخلوق لله وهو الروح لم تدركه الأبصار ، أفتريد أن يُدرَك من خَلَقَ ؟ لا يمكن وهو سبحانه من عظمته أنه لا يُدَرك.
وسبحانه يقول: {وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً} ونقف عند كلمة"من لدنه". ونعرف أن فيه فرقا بين الإتيان بالناموس - وهو النظام الموضوع - والعطاء المباشر ، وعندما يقول الحق:"من لدنه"فهذا يعني أن الوسائط تمتنع. ونعلم قصة سيدنا موسى عندما ذهب ليقابل العبد الصالح قال تعالى في وصف العبد الصالح:
{وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا} [الكهف: 65] .