وَمِنْ ضُرُوبِ ظُلْمِ الْوَالِدَيْنِ الْجَاهِلَيْنِ لِلْوَلَدِ الْعَاقِلِ الرَّشِيدِ: مَنْعُهُ مِنَ اسْتِعْمَالِ مَوَاهِبِهِ فِي تَرْقِيَةِ نَفْسِهِ فِي الْعُلُومِ وَالْأَعْمَالِ ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا تَوَقَّفَ ذَلِكَ عَلَى السَّفَرِ وَالتَّرْحَالِ ، وَالْأَمْثِلَةُ
وَالشَّوَاهِدُ عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ جِدًّا فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ ، وَأَوَّلُ مَا خَطَرَ فِي بَالِي مِنْهَا عِنْدَ الْكِتَابَةِ الْآنَ اثْنَانِ: شَابٌّ عَاشِقٌ لِلْعِلْمِ كَانَ أَبُوهُ يَمْنَعُهُ مِنْهُ لِيَشْتَغِلَ بِالتِّجَارَةِ الَّتِي يَنْفِرُ مِنْهَا لِتَوَجُّهِ اسْتِعْدَادِهِ إِلَى الْعِلْمِ ، فَفَرَّ مِنْ بَلَدِهِ إِلَى قُطْرٍ آخَرَ ، ثُمَّ إِلَى قُطْرٍ آخَرَ ، يَرْكَبُ الْأَهْوَالَ ، وَيُصَارِعُ أَنْوَاءَ الْبِحَارِ ، وَيُعْجِمُ عُودَ الذُّلِّ وَالضُّرِّ ، وَيَذُوقُ طُعُومَ الْجُوعِ وَالْفَقْرِ ، وَرَجُلٌ دُعِيَ إِلَى دَارٍ خَيْرٍ مِنْ دَارِهِ ، وَقَرَارٍ أَشْرَفَ مِنْ قَرَارِهِ ، وَرِزْقٍ أَوْسَعَ مِنْ رِزْقِهِ ، فِي عَمَلٍ أَفْضَلَ مِنْ عَمَلِهِ ، وَأَمَلٍ فِي الْكَمَالِ أَعْلَى مِنْ سَابِقِ أَمَلِهِ ، وَرَجَاءٍ فِي ثَوَابِ اللهِ أَعْظَمَ مِنْ رَجَائِهِ ، فَاسْتَشْرَفَتْ لَهُ نَفْسُهُ ، وَاطْمَأَنَّ بِهِ قَلْبُهُ ، وَلَكِنَّ وَالِدَتَهُ مَنَعَتْهُ أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ وَيَقْبَلَ النِّعْمَةَ ، لَا حُبًّا فِيهِ ، فَإِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُمَارِيَ فِي أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُ ، وَلَكِنْ حُبًّا فِي نَفْسِهَا ، وَإِيثَارًا لِلَذَّتِهَا وَأُنْسِهَا ، نَعَمْ إِنَّ الْعَجُوزَ أَلِفَتْ بَيْتَهَا وَمَنْ تُعَاشِرُ فِي بَلَدِهَا مِنَ الْأَهْلِ وَالْجِيرَانِ ، فَآثَرَتْ لَذَّةَ الْبِيئَةِ الدُّنْيَا لِنَفْسِهَا ، عَلَى الْمَنْفَعَةِ الْعُلْيَا لِوَلَدِهَا ، وَلَعَلَّهُ لَوِ اخْتَارَ الظَّعْنَ