وإذا تأملت حق التأمل وجدت أن التعدد في توبة الله سبحانه إنما عرض لها من حيث قياسها إلى توبة العبد وإلا فهي توبة واحدة هي رجوع الله سبحانه إلى عبده بالرحمة ويكون ذلك عند توبة العبد رجوعا إليه قبلها وبعدها وربما كان مع عدم توبة من العبد كما تقدم استفادة ذلك من قوله ولا الذين يموتون وهم كفار وأن قبول الشفاعة في حق العبد المذنب يوم القيامة من مصاديق التوبة ومن هذا الباب قوله تعالى {والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما} .
وكذلك القرب والبعد لما كانا نسبيين أمكن أن يتحقق البعد في مقام القرب بنسبة بعض مواقفه ومراحله إلى بعض ويصدق حينئذ معنى التوبة على رجوع بعض المقربين من عباد الله الصالحين من موقفه الذي هو فيه إلى موقف أرفع منه وأقرب إلى ربه كما يشهد به ما يحكيه تعالى من توبة الأنبياء وهم معصومون بنص كلامه كقوله تعالى {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه: البقرة - 37} وقوله تعالى {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل إلى قوله وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم: البقرة - 128} وقوله تعالى حكاية عن موسى (عليه السلام) {سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين: الأعراف - 143} وقوله تعالى خطابا لنبيه (صلى الله عليه وآله وسلم) {فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك وسبح بحمد ربك بالعشي والأبكار: المؤمن - 55} وقوله تعالى {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة: التوبة - 117} .
وهذه التوبة العامة من الله سبحانه هي التي يدل عليها إطلاق آيات كثيرة من كلامه تعالى كقوله تعالى {غافر الذنب وقابل التوب: المؤمن - 3} وقوله تعالى {يقبل التوبة عن عباده: الشورى - 25} إلى غير ذلك.