وكل معاند لجوج في عمله إذا شاهد ما يسوؤه من جزاء عمله ووبال فعله ألزمته نفسه على الندامة والتبري من فعله لكنه بحسب الحقيقة ليس بنادم عن طبعه وهداية فطرته بل إنما هي حيلة يحتالها نفسه الشريرة للتخلص من وبال الفعل والدليل عليه أنه إذا اتفق تخلصه من الوبال المخصوص عاد ثانيا إلى ما كان عليه من سيئات الأعمال قال تعالى {ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون: الأنعام - 28} .
والدليل على أن المراد بالقريب في الآية هو ما قبل ظهور آية الموت قوله تعالى في الآية التالية {وليست التوبة} إلى قوله {قال إنى تبت الآن} .
وعلى هذا يكون قوله {ثم يتوبون من قريب} كناية عن المساهلة المفضية إلى فوت الفرصة.
ويتبين مما مر أن القيدين جميعا أعني قوله {بجهالة} وقوله {ثم يتوبون من قريب} احترازيان يراد بالأول منهما أن لا يعمل السوء عن عناد واستعلاء على الله وبالثاني منهما
أن لا يؤخر الإنسان التوبة إلى حضور موته كسلا وتوانيا ومماطلة إذ التوبة هي رجوع العبد إلى الله سبحانه بالعبودية فيكون توبته تعالى أيضا قبول هذا الرجوع ولا معنى للعبودية إلا مع الحياة الدنيوية التي هي ظرف الاختيار وموطن الطاعة والمعصية ومع طلوع آية الموت لا اختيار تتمشى معه طاعة أو معصية قال تعالى {يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرا: الأنعام - 158} وقال تعالى {فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا به مشركين فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنة الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون: المؤمن - 85} إلى غير ذلك من الآيات.