فهرس الكتاب

الصفحة 798 من 1387

-فضلًا عما يلحق شخصيتهم من الانفصام أو الخلل، ذلك أن الإنسان - كما هو معلوم - مؤلف من جسد وعقل وروح،أو بعبارة أخرى من مادة وروح، و الروح مزود بطاقة من الغرائز تشبه الخيوط الدقيقة المتقابلة المتوازية، كل غريزتين منهما متجاورتين في النفس، وهما في الوقت ذاته مختلفتان في الاتجاه، الخوف و الرجاء، الحب والكر ، الاتجاه إلى الواقع والاتجاه إلى الخيال، الطاقة الحسية والطاقة المعنوية، الإيمان بما تدركه الحواس والإيمان بما لا تدركه الحواس، حب الالتزام و الميول إلى التطوع، الفردية والجماعية، السلبية والإيجابية....الخ، كلها غرائز متوازية ، ومتقابلة - كما ترى - وهي بتوازيها وتقابلها - تؤدى مهمتها في ربط الكائن البشرى بالحياة ، كأنما هي أوتاد متفرقة ، متقابلة تشد الكيان كله ، وتربطه من كل جانب يصلح للارتباط ، وهي في الوقت ذاته توسع أفقه وتفسح مجال حياته، فلا ينحصر في نطاق واحد، ولا في مستوى واحد، بيد أن تحقيق التوازن والتكامل في حياة الإنسان مرهون بإعطاء كل غريزة من هذه الغرائز حقها، دون زيادة أو نقص. والجماعة هي المجال الوحيد الذي يوظف سائر طاقات المسلم ويعمل كل الغرائز بدرجات متساوية ومتوازية في نفس الوقت، فتتكون الشخصية السوية المتكاملة، الخالية من أي انفصام أو اعوجاج والمحصنة ضد كيد الشيطان وإغوائه.

-وإذا حدث أن ابتعد المسلم عن الجماعة وآثر حياة العزلة أو التفرد فإنه تتعطل - لا محالة - بعض طاقاته وإمكاناته، وحينئذٍ يكون الخلل أو الانفصام في شخصيته، فضلًا عن وجود الفراغ الذي يمكن أن يستغله شياطين الإنس والجن في إغوائه وإضلاله، ولعل هذا الثر هو ما لفت النبي - صلى الله عليه وسلم - النظر إليه بقوله: قال صلى الله عليه وسلم ( ... فمن أحب منكم بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ، فإن الشيطان مع الواحد ، وهو من الاثنين أبعد ... ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت