ويقول الآخر: فما دام الرسول كان يجتهد، وما دام هذا الاجتهاد قد شمل الكثير من أنواع المعاملات ، أفلا يجوز لمن يأتى بعده أن يدلى في الموضوع باجتهاده أيضا؟ هادفا إلى تحقيق المصلحة، ولو أدى اجتهاده إلى غير ما قرره الرسول باجتهاده (3) .
وهذه الشبهات من أخطر ما يوجه إلى السنة من تحطيم ، فشبهتهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم بشر من الناس ، وهذا حق ، لكن بشريته لم تلغ رسالته في وقت من الأوقات فهو بشر رسول في جميع أقواله وأفعاله وأحواله ، إن جعله رسولا في قول دون قول ، وفي فعل دون فعل؟
يلغى الأمر بالاقتداء به ، وينفى مراقبة الله له في وقت من الأوقات ، وفى قول من الأقوأل ،وفى فعل من الأفعال.
كيف تفلت بعض أفعال محمد صلى الله عليه وسلم من مراقبة الله ، وكل مؤمن وغير مؤمن مراقب محاسب على ما يفعل ، وهو يزيد عن البشر بالوحى والرؤية في المنام وفي الإلهام ،وبجبريل -عليه السلام- ومأمور بالاقتداء به في أفعاله والعمل بأقواله.
لقد حوسب وعوتب على أنه امتنع عن طعام يحبه ، إرضاء لأزواجه ، فنزل فيه قرآن يتلى: {يا أيها النبى لم تحرم ما أحلا لله لك تبتغى مرضات أزواجك} التحريم:1.
ولقد حوسب وعوتب على عوارض انفعالاته ، وتجهم وجهه في ملاقاة أعمى لا يراه ، ولا يتاثر بعبوسه ، فنزل فيه قرآن يتلى: {عبس وتولى أن جاءه الأعمى} عبس:1-2.
بل لقد عوتب وحوسب على خلجات قلبه ،ودواخل نفسه ، فنزل فيه قرآن يتلى: {وإذ تقول للذى أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه} الأحزاب:37.