فهرس الكتاب

الصفحة 373 من 1387

وكان الزهد هو البيئة الطبيعية التي نشأ فيها التصوف ، وكان الزهد نفسه ثمرة لعوامل دينية واجتماعية حيث طرأ على الحياة عند المسلمين أنماط من العيش وصور من السلوك ، لم تكن مألوفة في حياة الصدر الأول من المسلمين الذين كانوا يتميزون بالبساطة والقناعة، والبعد عن التفنن في مطاعمهم ومشاربهم ، أخذا بالورع وخشية من الحساب ، ولكن الحياة تحولت فيما بعد، وعند أهل الترف والغنى إلى نماذج من السرف الفاحش الذى يستثير أهل الفقر والمسكنة، المستمسكين بما كان عليه السلف من زهد وبساطة، وكان ذلك من دواعى نشأة التصوف عند المسلمين كما يقول ابن خلدون:"واصل هذه الطريقة العكوف على العبادة... والإعراض عن زخرف الدنيا ، والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه...وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف ، فلما فشا الإقبال على الدنيا، في القرن الثانى وما بعده ، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا،اختص المقبلون على العبادة باسم الصوفية والمتصوفة".

على أن التصوف لم يخل من التأثر ببعض المؤثرات الوافدة من نظم صوفية أخرى، جاءت من خارج البيئة الإسلامية، بسبب الترجمة أحيانا أو بسبب اتصال المسلمين -بعد الفتوحات- بشعوب أخرى كان لها قدم راسخة في التصوف كالهند وفارس ، وقد كان بعض الصوفية من أصول ترجع إلى هذه الشعوب ، وليس ببعيد أن يكون لبعض أهل الكتاب الذين كانوا يعيشون بين المسلمين بعض التأثير أيضا ، وكان من آثار هذه العوامل كلها أن ظهر لدى بعض الصوفية أقوال ونظريات مشابهة لبعض ما ظهر في النظم الصوفية الأخرى.

وأدى ذلك إلى أن تتفاوت نظرة المسلمين إلى التصوف ، وقد انقسموا حوله إلى أنصار يرون في التصوف طريق الولاية، وسبيل الصفاء والعرفان ونيل الكرامات وخرق العادات ، وهؤلاء هم الصوفية ومن ارتضى طريقتهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت