هذه معظم المواطن التي وردت فيها كلمة مكَّن ومشتقاتها وتلك هي معانيها وكلها تدور، كما ذكرنا سابقًا، حول إمامة الناس والتولي عليهم وإخضاعهم لسلطة ونفوذ الأقوام الممكن لهم. ولنا كلمة أو وقفة حول الوعد بالتمكين للمؤمنين حيث أنه عند استعراض الآيات التي يتعلق أمر التمكين فيها للمؤمنين نجد أن الله يتحدث على ما بعد التمكين وما يجب أن يكون عليه أمر الفئة المُمَكَّن لها، وهو الأمر الخطير، وذلك لأن النفوس في حال النصر والتمكين والظفر برقاب الناس قد يخالط سويداء قلوبها ما يجعلها تتكبر على الخلق وتنتقم منهم، فاقتضى المقام التنبيه على ذلك، كما قال موسى عليه السلام لقومه المستضعفين: ?عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون?، وتذكير المؤمنين أن تمكينهم يختلف عن تمكين غيرهم، فهم يمثلون مبدأ ورسالة سماوية وليس منهجًا أرضيًا، وهم فوق ذلك مؤتمنون عليها، فهذا الذي ائتمنهم - وهو الله جل جلاله - يقول لهم: هذا هو الحال الذي أطلب منكم أن تكونوا عليه عند حصول التمكين لكم.
ونحن نتطلع إلى ذلك اليوم الذي يعز الله فيه الإسلام وجنده، ويخذل الشرك وأهله، يجب علينا أن نضع هذه المعاني نصب أعيننا حتى نزيل العوائق التي تحول بين هذا الواقع المشرق المضيء وبين واقع الذل والهوان الذي نتجرع كؤوسه كل يوم.
2 -بين الوعد والتهديد:
وعد الله الذين آمنوا بالنصر والتمكين ثم الظفر بأعدائهم في آيات كثيرة من كتابه العزيز، والله لا يخلف وعده، فإذا ما تخلف هذا الوعد وتأخر فعلى المؤمنين أن يراجعوا مسيرتهم وأن يتهموا أنفسهم ليكتشفوا المثالب والأخطاء التي وقعوا فيها حتى يتجنبوها، ويجب عليهم أن يقتلعوها من جذورها حتى لا تألفها النفوس وتعتاد على العيش في مستنقعها الآسن [كما هو واقعنا اليوم فإلى الله المشتكى] .