فعلن فِي أنفسهن من معروف أي نكاح صحيح ، لأن إقامتهن بهذه الوصية غير لازمة . والسبب فيه أنهم كانوا فِي زمان الجاهلية يوصون بالنفقة والسكنى حولاً ، وكانوا يوجبون على المرأة الاعتداد بالحول ، فبيّن الله تعالى فِي هذه الآية أن ذلك غير واجب . ويؤكده ما روت زينب بنت أبي سلمة قالت: سمعت أمي أم سلمة تقول:"جاءت امرأة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن ابنتي توفي عنها زوجها وقد اشتكت عينها أفنكحلها؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا . ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما هي أربعة أشهر وعشر ، وقد كانت إحداكن فِي الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول"."
قال حميد: فقلت لزينب: وما ترمي بالبعرة على رأس الحول؟ فقالت: كانت المرأة إذا توفي عنها زوجها دخلت حفشاً أي بيتاً صغيراً ، ولبست شر ثيابها ، ولم تمس طيباً حتى يمر بها سنة ، ثم تؤتى بدابة حمار أو شاة أو طائر فتقتض به . قال مالك: أي تمسح به جلدها فقلما تقتض بشيء إلا مات ، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها ثم تراجع بعد بما شاءت من طيب أو غيره ، فلا جناح عليكم يا أولياء الميت فيما فعلن فِي أنفسهن من التزين والإقدام على النكاح . ومن قطع نفقتهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول ومن ترك منعهن من الخروج لأن مقامها حولاً فِي بيت زوجها ليس بواجب عليها . وإنما قال ههنا {من معروف} منكراً لأن المراد بوجه من الوجوه التي لهن أن يأتينه . وأما فِي الآية السابقة فإنه أراد بالوجه المعروف من الشرع . ويمكن أن يقال: إن تلك الآية متأخرة فِي النزول عن هذه بإجماع المفسرين فلهذا نكر أولاً ، ثم عرف لأن النكرة إذا تكررت صارت معرفة قال سبحانه: {كما أرسلنا إلى فرعون رسولاً فعصى فرعون الرسول} [المزمل: 16] .