ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ) قَالَ (الْجَلَالُ) : كَرَّرَهُ لِيَعُمَّ الْمَمْسُوسَةَ أَيْضًا إِذِ الْآيَةُ السَّابِقَةُ فِي غَيْرِهَا . وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ - كَعَادَتِهِ - الْقَوْلَ بِالتَّكْرَارِ ، قَالَ: كَأَنَّ مَا تَقَدَّمَ خَاصٌّ وَمَا هُنَا عَامٌّ ، وَالصَّوَابُ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْمُطَلَّقَاتِ وَرَدَتْ فِي نَوْعٍ مِنْهُنَّ ، فَتَقَدَّمَ حُكْمُ مَنْ لَمْ تُمَسَّ وَقَدْ فُرَضَ لَهَا ، وَحُكْمُ الْمَدْخُولِ بِهَا الْمَفْرُوضِ لَهَا ، وَبَقِيَ حُكْمُ غَيْرِهِمَا (وَفِي الْمُذَكِّرَةِ الْمَأْخُوذَةِ فِي دَرْسِهِ: وَبَقِيَ حُكْمُ الْمَمْسُوسَةِ سَوَاءٌ فُرِضَ لَهَا أَمْ لَا) فَذَكَرَهُ هُنَا ، وَلَمْ يُذْكُرْ ذَلِكَ بِالتَّرْتِيبِ; لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَيْسَ كِتَابًا فَنِّيًّا فَيَكُونُ لِكُلِّ مَقْصِدٍ مِنْ مَقَاصِدِهِ بَابٌ خَاصٌّ بِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كِتَابُ هِدَايَةٍ وَوَعْظٍ يَنْتَقِلُ بِالْإِنْسَانِ مِنْ شَأْنٍ مِنْ شِئُونِهِ إِلَى آخَرَ ، وَيَعُودُ إِلَى مَبَاحِثِ الْمَقْصِدِ الْوَاحِدِ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ ، مَعَ التَّفَنُّنِ فِي الْعِبَارَةِ ، وَالتَّنْوِيعِ فِي الْبَيَانِ ، حَتَّى لَا يَمَلَّ تَالِيهِ وَسَامِعُهُ مِنَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الِاهْتِدَاءِ ، يُوجِزُ أَحْيَانًا بِمَا يَعْجَزُ كُلُّ أَحَدٍ عَنِ الْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ إِذَا كَانَ الْمَقَامُ يَقْتَضِي الْإِيجَازَ ، وَيُطْنِبُ فِي مَقَامٍ آخَرَ حَيْثُ يَنْبَغِي الْإِطْنَابُ ، وَهُوَ مُعْجِزٌ فِي إِطْنَابِهِ كَإِيجَازِهِ ، لَا لَغْوَ فِيهِ وَلَا حَشْوَ ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ فِيهِ مَقَالٌ يَنْطَبِقُ عَلَى الْحِكْمَةِ ، وَيُعِينُ عَلَى التَّدَبُّرِ وَالتَّذَكُّرِ .