ولا تهدأ هذه الرغبة بكثرة الاختلاط كما يدعي المخالطون، فكما لا تهدأ الرغبة إلى الطعام بالنظر إليه حين يجوع الإنسان، كذلك لا تهدأ الرغبة إلى الجنس باعتياد النظر إليه، وكما تثير رائحة الطعام الذكية شهوة الإنسان الشبع إلى الطعام وإن أخره عن تناوله الشبع كذلك يثير تكشف المرأة رغبة الرجل إليها، وإن منعه من هذا اللقاء الحياء والأخلاق والدين وكلما كانت عوامل الإثارة قوية كالبسمة الجذابة والحركة المثيرة ومنظر اللحم المكشوف والثوب المحجم الشفاف، كلما كان الاندفاع قويًا والإقدام على مخالفة القيم والاستعداد لارتكاب الفاحشة ممكنًا، وصدق اللَّه العظيم حين وصف موقف سيدنا يوسف من امرأة العزيز فقال: {وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ} (يوسف: 33) ، {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} (يوسف: 53) .
وفي أحد أقوال المفسرين أنه من قول يوسف -عليه السلام-، والاختلاط إما أن يؤدي إلى إثارة شهوة الجنسين وزيادة حدتها، فيتحول الاتصال إلى فوضى لا ضابط لها، كما هو الأمر في أوربا وروسيا، وفي كل مجتمعات الخلط، وإما أن يؤدي هذا الاختلاط والابتذال إلى التآلف بين الجنسين فينتهي إلى البرود الجنسي وهذان أمران أحلاهما مر.
الشبهة الثالثة: اتكالهم على أن العبرة بالأخلاق وليس بالثياب.
قالوا: إن تربية المرأة تنبع من الباطن، فالفتاة التي تربت ونشئت على الأخلاق الفاضلة لن يشرد بها عن الفضيلة شكل الثوب الذي ترتديه، كما أن الفتاة التي نشأت على الانحراف وربيت بعيدة عن الفضيلة، لن تكسبها الفضيلة جلباب سابغ ترتديه، أو خمار تديره على أطراف وجهها أو حتى نقاب تسدله عليه، وربما ضربوا أمثلة وهمية أو صحيحة بفتيات متحجبات وربما متنقبات، ضبطن بأعمال وسلوكيات شائنة.
الجواب على هذه الشبهة من هذه الوجوه:
الوجه الأول: كلام حق أريد به باطل.
نقول: صحيح أن التربية تنبع من الباطن، ولا تلتصق عن طريق ثياب من الخارج، وما كان لشكل الثياب أو نوعها أن يقوم يومًا ما مقام التربية ومناهجها.