أشارت الآيات السابقة إلى أمثل السبل لاختيار الزوج، وهو أن يكون أساس الاختيار الدين والتقوى والخلق، لَا المال والنسب، (وَلأَمَةٌ مؤْمنَةٌ خَيْرٌ من مُّشْرِكة وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ. . .) .
ثم أشارت الآيات أيضا إلى حسن العشرة الواجبة، ولطف المودة الواصلة، وبينت أن العلاقة بين الزوجين طهر لَا دنس فيه، ونظافة لَا رجس معها يستوي في ذلك الحس والمعنى، والمخبر والمظهر.
وأوجبت أن تكون العلاقة قائمة على العدل من غير ضرار ولا ظلم، وبينت الحكم في الظلم الواقع إن استمر عليه مرتكبه، ووثق إصراره بيمين يحلفها،
وذكرت أن القطع في هذه الحال أولى من الوصل، والإنهاء أولى من البقاء لأن بقاء الحياة الزوجية في هذه الحال استمرارا للظلم، وبقاء للإثم، ولا منفعة ترجى، ولا جدوى تلتمس؛ ولذلك قرر الله سبحانه وتعالى حكمه الصارم وهو الطلاق القاطع لهذا الظلم المستمر.
ولقد بينت بعد ذلك هذه الآية الكريمة التي تلوناها، والتي سنتكلم في معناها حكم الطلاق، وفصلت أحواله ومراته الآيات من بعدها.
وقبل أن نخوض في معنى هذه الآية الكريمة، والإشارة إلى دقائق ألفاظها ومعانيها، نقرر أن شريعة القرآن شرعت الزواج عقدا أبديا في أصل شرعته؛ لأنه شرع لمعان وأغراض لَا تتحقق إلا مع البقاء والدوام، فقد شرع لإقامة الأسرة، وتنظيم الحياة بين الرجل والمرأة، وإنجاب النسل، والقيام على تربيته وتهذيبه والسير به في مدارج الحياة، وتلك أغراض لَا تكون على الوجه الأكمل إلا إذا استمرت الحياة الزوجية موصولة موثقة بروابط من المودة والأخلاق والشرع إلى أن يقضي الله قضاءه. ذلك حكم الشرع، وهو سنة الوجود، وهو أكثر أحوال الزواج بين بني الإنسان، لَا يختلف في ذلك شرقي عن غربي ولا مسلم عن مسيحي.