ويصح - وهو الراجح - أن تكون العرضة بمعنى الحاجز المعترض، ويكون المعنى على ذلك: لَا تجعلوا الحلف بالله سبحانه وتعالى حاجزًا ممانعًا بينكم وبين فعل الخير، فلا تحلفوا في أمر يكون الامتناع فيه امتناعا عن خير وتقوى وإصلاح بين الناس؛ وذلك لأن الرجل كان يحلف على الامتناع عن بر غضبا على من يطلبه؛ كما روى أن سيدنا أبا بكر حلف ألا يعطي ذا قرابة له عندما خاض في شأن ابنته عائشة في حديث الإفك عليها، فنزل قوله تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ(22) .
وقد روي أيضا أن عبد الله بن رواحة كان بينه وبين خَتَنِه (زوج أخته) النعمان ابن بشير شيء، فحلف بالله ألا يدخل عليه ولا يكلمه، ولا يصلح بينه وبين خصمه، وإذا قيل له فيه قال: قد حلفت بالله ألا أفعل فلا يحل لي إلا أن تبر يمينى؛ فكانت الآية الكريمة ناهية عن ذلك فمن حلف على شيء فرأى خيرًا منه، فلا يصح أن يجعل الحلف بالله عرضة محاجزة دون فعل الخير، بل عليه أن يفعل الخير ويحنث ويؤدي كفارة اليمين الذكورة في سورة المائدة، في قوله تعالى:
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ. . .) . وإن تفسير العرضة بمعنى المحاجز المعارض دون فعل الخير، هو الأرجح كما نوهنا، والإيمان حينئذ تفسر بأنها أفعال الخير المحلوف على الامتناع منها؛ ووجه الترجيح من ناحيتين:
أولاهما - أن هذا التفسير هو المناسب لما يجيء بعد ذلك، وهو المقصد من السياق، وهو قوله تعالى: