وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَالْعِدَّةُ إِنَّمَا تَلْزَمُهَا بَعْدُ لِلطَّلَاقٍ، وَالطَّلَاقُ إِنَّمَا يَلْحَقُهَا بِمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْلُ.
وَأَمَّا مَعْنَى قَوْلِهِ: {وَالْمُطَلَّقَاتُ} فَإِنَّهُ: وَالْمَخْلِيَّاتُ السَّبِيلِ غَيْرُ مَمْنُوعَاتٍ بِأَزْوَاجٍ وَلَا مَخْطُوبَاتٍ، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: فُلَانَةُ مُطَلَّقَةٌ، إِنَّمَا هُوَ مَفْعَلَةٌ مِنْ قَوْلِ الْقَائِلِ: طَلَّقَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ فَهِيَ مُطَلَّقَةٌ؛
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: هِيَ طَالِقٌ، فَمِنْ قَوْلِهِمْ: طَلَقَهَا زَوْجُهَا فَطَلَقَتْ هِيَ، وَهِيَ تَطْلُقُ طَلَاقًا، وَهِيَ طَالِقٌ.
وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ أَنَّهَا تَقُولُ: طَلَقَتِ الْمَرْأَةُ وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لَهَا إِذَا خَلَّاهَا زَوْجُهَا، كَمَا يُقَالُ لِلنَّعْجَةِ الْمُهْمَلَةِ بِغَيْرِ رَاعٍ وَلَا كَالِئٍ إِذَا خَرَجَتْ وَحْدَهَا مِنْ أَهْلِهَا لِلرَّعْيِ مُخَلَّاةً سَبِيلُهَا. هِيَ طَالِقٌ فَمُثِّلَتِ الْمَرْأَةُ الْمُخَلَّاةِ سَبِيلُهَا بِهَا، وَسُمِّيَتْ بِمَا سُمِّيَتْ بِهِ النَّعْجَةُ الَّتِي وَصَفْنَا أَمْرَهَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: طُلِّقَتِ الْمَرْأَةُ، فَمَعْنًى غَيْرِ هَذَا إِنَّمَا يُقَالُ فِي هَذَا إِذَا نُفِسَتْ، هَذَا مِنَ الطَّلْقِ، وَالْأَوَّلُ مِنَ الطَّلَاقِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّرَبُّصَ إِنَّمَا هُوَ التَّوَقُّفَ عَنِ النِّكَاحِ، وَحَبْسُ النَّفْسِ عَنْهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلُقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ}
اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَأْوِيلُهُ: وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ، يَعْنِي لِلْمُطَلَّقَاتِ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ مِنَ الْحَيْضِ إِذَا طُلِّقْنَ، حَرُمَ عَلَيْهِنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ أَزْوَاجَهُنَّ الَّذِينَ طَلَّقُوهُنَّ فِي الطَّلَاقِ الَّذِي عَلَيْهِمْ لَهُنَّ فِيهِ رَجْعَةٌ يَبْتَغِينَ بِذَلِكَ إِبْطَالَ حُقُوقِهِمْ مِنَ الرَّجْعَةِ عَلَيْهِنَّ.