الَّذِي يَتْلُوهَا أَقْرَاءٌ كُلُّهَا؛ فَقَدْ ظَنَّ جَهْلًا، وَذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ عِنْدَنَا فِي كُلِّ مَا أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ عَلَى مَا احْتَمَلَهُ ظَاهِرُ التَّنْزِيلِ مَا لَمْ يُبَيِّنُ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِعِبَادِهِ، أَنَّ مُرَادَهُ مِنْهُ الْخُصُوصُ، إِمَّا بِتَنْزِيلٍ فِي كِتَابِهِ، أَوْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَإِذَا خَصَّ مِنْهُ الْبَعْضَ، كَانَ الَّذِي خُصَّ مِنْ ذَلِكَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْجُمْلَةِ الَّتِي أَوْجَبَ الْحُكْمَ بِهَا، وَكَانَ سَائِرُهَا عَلَى عُمُومِهَا، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا: «كِتَابُ لَطِيفِ الْقَوْلِ مِنَ الْبَيَانِ عَنْ أُصُولِ الْأَحْكَامِ» وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِنَا. فَالْأَقْرَاءُ الَّتِي هِيَ أَقْرَاءُ الْحَيْضِ بَيْنَ طُهْرَيْ أَقْرَاءِ الطُّهْرِ غَيْرُ مُحْتَسِبَةٍ مِنْ أَقْرَاءِ الْمُتَرَبِّصَةِ بِنَفْسِهَا بَعْدَ الطَّلَاقِ لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْأَقْرَاءَ الَّتِي أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهَا تَرَبُّصَهُنَّ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، بَيْنَ كُلِّ قُرْءٍ مِنْهُنَّ أَوْقَاتٌ مُخَالِفَاتُ الْمَعْنَى لِأَقْرَائِهَا الَّتِي تَرَبَّصَهُنَّ، وَإِذْ كُنَّ مُسْتَحِقَّاتٍ عِنْدَنَا اسْمَ أَقْرَاءٍ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ إِجْمَاعِ الْجَمِيعِ لَمْ يَجُزْ لَهَا التَّرَبُّصُ إِلَّا عَلَى مَا وَصَفْنَا قَبْلُ. وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى خَطَأِ قَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ امْرَأَةَ الْمَوْلَى الَّتِي آلَى مِنْهَا تَحِلُّ لِلْأَزْوَاجِ بِانْقِضَاءِ الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ إِذَا كَانَتْ قَدْ حَاضَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ فِي الْأَشْهُرِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذِكْرُهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَيْهَا الْعِدَّةَ بَعْدَ عَزْمِ الْمُؤْلِي عَلَى طَلَاقِهَا، وَإِيقَاعِ الطَّلَاقِ بِهَا بِقَوْلِهِ: {وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سُمَيْعٌ عَلِيمٌ وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ} فَأَوْجَبَ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ إِذَا صَارَتْ مُطَلَّقَةً تَرَبُّصَ ثَلَاثَةِ قُرُوءٍ فَمَعْلُومٌ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُطَلَّقَةً يَوْمَ آلَى مِنْهَا زَوْجُهَا لِإِجْمَاعِ الْجَمِيعِ عَلَى أَنَّ الْإِيلَاءَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ مُوجِبٍ عَلَى الْمُؤْلِي مِنْهَا الْعِدَّةَ.