فَإِنْ قِيلَ: بَقِيَ عَلَيْكُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ: {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ} إِنَّمَا هُوَ فِي الْبَوَائِنِ لَا فِي الرَّجْعِيَّاتِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَقِيبَهُ: {وَلَا تُضَارُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ}
فَهَذَا فِي الْبَائِنِ؛ إِذْ لَوْ كَانَتْ رَجْعِيَّةً لَمَا قَيَّدَ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا بِالْحَمْلِ وَلَكَانَ عَدِيمَ التَّأْثِيرِ، فَإِنَّهَا تَسْتَحِقُّهَا حَائِلًا كَانَتْ أَوْ حَامِلًا، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي (أَسْكِنُوهُنَّ) هُوَ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ {وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ} وَاحِدٌ.
فَالْجَوَابُ: أَنَّ مَوْرِدَ هَذَا السُّؤَالِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُوجِبِينَ النَّفَقَةَ وَالسُّكْنَى، أَوْ مِمَّنْ يُوجِبُ السُّكْنَى دُونَ النَّفَقَةِ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ: فَالْآيَةُ عَلَى زَعْمِهِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ شَرَطَ فِي إِيجَابِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِنَّ كَوْنَهُنَّ حَوَامِلَ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ عَلَى الشَّرْطِ يَنْتَفِي عِنْدَ انْتِفَائِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْبَائِنَ الْحَائِلَ لَا نَفَقَةَ لَهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذِهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْمَفْهُومِ وَلَا يَقُولُ بِهَا.
قِيلَ: لَيْسَ ذَلِكَ مِنْ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ، بَلْ مِنِ انْتِفَاءِ الْحُكْمِ عِنْدَ انْتِفَاءِ شَرْطِهِ، فَلَوْ بَقِيَ الْحُكْمُ بَعْدَ انْتِفَائِهِ لَمْ يَكُنْ شَرْطًا، وَإِنْ كَانَ مِمَنْ يُوجِبُ السُّكْنَى وَحْدَهَا فَيُقَالُ لَهُ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ ضَمِيرٌ وَاحِدٌ يَخُصُّ الْبَائِنَ، بَلْ ضَمَائِرُهَا نَوْعَانِ: نَوْعٌ يَخُصُّ الرَّجْعِيَّةَ قَطْعًا، كَقَوْلِهِ {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ}
وَنَوْعٌ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِلْبَائِنِ وَأَنْ يَكُونَ لِلرَّجْعِيَّةِ وَأَنْ يَكُونَ لَهُمَا وَهُوَ قَوْلُهُ: {لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ}
وَقَوْلُهُ {أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ}