فَحَمْلُهُ عَلَى الرَّجْعِيَّةِ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِتَتَّحِدَ الضَّمَائِرُ وَمُفَسِّرُهَا، فَلَوْ حُمِلَ عَلَى غَيْرِهَا لَزِمَ اخْتِلَافُ الضَّمَائِرِ وَمُفَسِّرِهَا وَهُوَ خِلَافُ الْأَصْلِ وَالْحَمْلُ عَلَى الْأَصْلِ أَوْلَى.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي تَخْصِيصِ نَفَقَةِ الرَّجْعِيَّةِ بِكَوْنِهَا حَامِلًا؟
قِيلَ: لَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا نَفَقَةَ لِلرَّجْعِيَّةِ الْحَائِلِ، بَلِ الرَّجْعِيَّةُ نَوْعَانِ قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ حُكْمَهُمَا فِي كِتَابِهِ: حَائِلٌ: فَلَهَا النَّفَقَةُ بِعَقْدِ الزَّوْجِيَّةِ إِذْ حُكْمُهَا حُكْمُ الْأَزْوَاجِ، أَوْ حَامِلٌ: فَلَهَا النَّفَقَةُ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَى أَنْ تَضَعَ حَمْلَهَا، فَتَصِيرُ النَّفَقَةُ بَعْدَ الْوَضْعِ نَفَقَةَ قَرِيبٍ لَا نَفَقَةَ زَوْجٍ، فَيُخَالِفُ حَالُهَا قَبْلَ الْوَضْعِ حَالَهَا بَعْدَهُ، فَإِنَّ الزَّوْجَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا وَحْدَهُ إِذَا كَانَتْ حَامِلًا، فَإِذَا وَضَعَتْ صَارَتْ نَفَقَتُهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الطِّفْلِ، وَلَا يَكُونُ حَالُهَا فِي حَالِ حَمْلِهَا كَذَلِكَ، بِحَيْثُ تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ الطِّفْلِ، فَإِنَّهُ فِي حَالِ حَمْلِهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا، فَإِذَا انْفَصَلَ كَانَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ، وَانْتَقَلَتِ النَّفَقَةُ مِنْ حُكْمٍ إِلَى حُكْمٍ، فَظَهَرَتْ فَائِدَةُ التَّقْيِيدِ وَسِرُّ الِاشْتِرَاطِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ مِنْ كَلَامِهِ. انتهى انتهى {مصباح التفاسير، لابن القيم} ...