وكان هشام بن عبد الملك حبس عياض بن مسلم كاتب الوليد بن يزيد وضربه وألبسه المسوح، فلم يزل محبوسا مدة ولاية هشام فلما ثقل هشام، وصار في حد من لا يرجى، أرسل عياض إلى الخزّان أن احفظوا ما في أيديكم، فأفاق هشام وطلب شيئا، فلم يؤت به، فقال: ترانا كنا خزانا لغيرنا. فخرج عياض من الحبس فختم الباب وأمر بهشام فأنزل عن فراشه ومنع أن يكفن من الخزانة، فاستعير قمقم أغلى الماء فيه له، فقال الناس:
إن في هذا العبرة لمن اعتبر.
قال الموسوي:
وما جمعي الأموال إلا غنيمة ... لمن عاش بعدي واتهام لرازقي
وفي الحديث: ما أعطى عبد شيئا من عرض الدنيا إلا قيل له خذه وضعفيه حرصا.
وقال بعض الحكماء: الدنيا كالماء المالح كلما ازداد الإنسان منه شربا ازداد عطشا.
قال محمود الورّاق:
أراك يزيدك الإثراء حرصا ... على الدنيا كأنّك لا تموت
فهل لك غاية إن صرت يوما ... إليها قلت حسبي قد غنيت
وقيل: مريد الدنيا كشارب الخمر قليلها يدعو إلى كثيرها. المستغني بالدنيا عن الدنيا كمطفئ النار بالتبن وقال النبي صلّى الله عليه وسلم: لو أن لابن آدم واديين من ذهب لا بتغى لهما ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب.
وقال أيضا: منهومان لا يشبعان طالب علم وطالب دنيا.
وقال بعضهم:
غنى النفس ما يكفيك من سدّ حاجة ... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا
وقال ابن نباتة:
كلّما يفضل الكاف فضول
انتهى انتهى {محاضرات الأدباء، للراغب الأصفهاني} ...