والفاء في قوله فَإِذا بَلَغْنَ ... للتفريع على ما تقدم من أحكام تتعلق بالعدة.
والمراد ببلوغ أجلهن، مقاربة نهاية مدة العدة بقرينة ما بعده، لأن الرجل لا يؤمر بإمساك زوجه بعد انقضاء عدتها، لأن الإمساك يكون قبل انقضائها.
فالكلام من باب المجاز، لمشابهة مقاربة الشيء، بالحصول فيه، والتلبس به.
والمراد بالإمساك المراجعة وعدم السير في طريق مفارقتها.
والمعروف: ما أمر به الشرع من حسن المعاملة بين الزوجين، وحرص كل واحد منهما على أداء ما عليه لصاحبه من حقوق.
والمعنى: لقد بينت لكم جانبا من الأحكام التي تتعلق بعدة النساء، فإذا قاربن وشارفن آخر عدتهن، فأمسكوهن وراجعوهن بحسن معاشرة، أو فارقوهن بمعروف بأن تعطوهن حقوقهن كاملة غير منقوصة، بأن تكفوا ألسنتكم عن ذكرهن بسوء ..
والأمر في قوله: فَأَمْسِكُوهُنَّ، وفارِقُوهُنَّ للإباحة، و «أو» للتخيير.
والتعبير بالإمساك للإشعار بأن المطلقة طلاقا رجعيا لها حكم الزوجة، ما عدا الاستمتاع بها، فعليه أن يستمسك بها، ولا يتسرع في فراقها، فهي ما زالت في عصمته.
وقدم - سبحانه - الإمساك على الفراق، للإشارة إلى أنه هو الأولى رعاية لحق الزوجية، وإبقاء للمودة والرحمة.
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ، فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ....
ثم قال - سبحانه -: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أي: وأشهدوا عند المراجعة لأزواجكم وعند مفارقتكم لهن رجلين تتوفر فيهما العدالة والاستقامة لأن الإشهاد يقطع التنازع، ويدفع الريبة، وينفى التهمة.
والأمر في قوله: وَأَشْهِدُوا للندب والاستحباب في حالتي المراجعة والمفارقة، فهو كقوله - تعالى -: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ وهذا رأى جمهور العلماء.
قال الآلوسي: قوله: وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ أي: عند الرجعة إن اخترتموها، أو الفرقة إن اخترتموها، تبريا عن الريبة، وقطعا للنزاع. وهذا أمر ندب كما في قوله - تعالى -: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ.