والمعنى على القراءة الأولى والثانية: أن الله سبحانه بالغ ما يريده من الأمر، لا يفوته شيء ولا يعجزه مطلوب. وعلى القراءة الثالثة: أن الله نافذ أمره لا يرده شيء.
وقرأ المفضل {بالغًا} بالنصب على الحال، ويكون خبر {إنَّ} قوله: {قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا} ويجوز أن تخرج هذه القراءة على قول من ينصب بإن الجزئين، كقوله:
إِذَا اسْوَدَّ جُنْحُ اللَّيْلِ فَلْتَأْتِ وَلْتَكُنْ ... خُطَاكَ خِفَافًا إِنَّ حُرَّاسَنَا أُسْدَا
{قَدْ جَعَلَ اللَّهُ} سبحانه وتعالى {لِكُلِّ شَيْءٍ} من الشدة والرخاء، والفقر والغنى، والموت والحياة، ونحو ذلك {قَدْرًا} ؛ أي: تقديرًا، متعلقًا بنفس ذاته وبزمانه ومكانه، وبجميع كيفياته وأوصافه، وأنه بالغ ذلك المقدر على حسب ما قدره. أو جعل له مقدارًا وحدًّا معينًا، أو وقتًا وأجلًا ونهاية ينتهي إليه، لا يتقدم عليه ولا يتأخر عنه ولا يتأتى تغييره. وفي"التأويلات النجمية": أي رتبة وكمالًا يليق بذلك الشيء. وقرأ جناح بن حبيش {قدرًا} بفتح الدال، والجمهور بإسكانها.
والمعنى: أي إن الله سبحانه وتعالى منفذ أحكامه في خلقه بما يشاء، وقد جعل لكل شيء مقدارًا ووقتًا، فلا تحزن أيها المؤمن إذا فاتك شيء مما كنت تؤمل وترجو، فالأمور مرهونة بأوقاتها ومقدرة بمقادير خاصة، كما قال تعالى: {وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ} .
وقال القاشاني: معنى الآية: ومن يتوكل على الله بقطع النظر عن الوسائط والانقطاع إليه من الوسائل .. فهو كافيه يوصل إليه ما قدر له، وشوق إليه ما قسم لأجله من أنصبة الدنيا والآخرة، إن الله يبلغ ما أراد من أمره لا مانع له ولا عائق، فمن تيقن ذلك .. ما خاف أحدًا ولا رجا، وفوض أمره إليه ونجا، وقد عين الله لكل أمر حدًّا معينًا، ووقتًا معينًا في الأزل، لا يزيد بسعي ساع ولا ينتقص بمنع مانع وتقصير مقصر، ولا يتأخر عن وقته ولا يتقدم عليه، والمتيقن لهذا الشاهد له متوكل بالحقيقة، انتهى. انتهى {حدائق الروح والريحان. 29/ 402 - 418} ...