والمعنى: أي ومن يكل أمره إلى الله ويفوض إليه الخلاص منه .. كفاه ما أهمه في دنياه ودينه، والمراد بذلك: أن العبد يأخذ في الأسباب التي جعلها من سننه في هذه الحياة، ويؤديها على أمثل الطرق، ثم يكل أمره إلى الله فيما لا يعلمه من أسباب لا يستطيع الوصول إلى علمها، كتوكل الزارع بعد إلقاء الحب في الأرض. وكان السلف يقولون: اتّجروا واكتسبوا، فإنكم في زمان إذا احتاج أحدكم .. كان أول ما يأكل دينه. وربما رأوا رجلًا في جماعة جنازة، فقالوا له: اذهب إلى دكانك. وليس المراد أن يلقي الأمور على عواهنها ويترك السعي والعمل ويفوض الأمر إلى الله، فما بهذا أمر الدين؛ بدليل قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ} ، وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"اعقلها وتوكل"إلى نحو ذلك مما هو مستفيض في الكتاب والسنة.
وروي عن ابن عباس: أنه ركب خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يومًا، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"يا غلام! إني معلمك كلمات: احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت .. فاسأل الله، وإذا استعنت .. فاستعن بالله، واعلم: أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك .. لم ينفعوك إلا بشيء كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك .. لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف".
ثم ذكر السبب في وجوب التوكل عليه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ} سبحانه وتعالى {بَالِغُ أَمْرِهِ} بالإضافة؛ أي: منفذ أمره ومتم مراده، وممضي قضائه في خلقه، فيمن توكل عليه وفيمن لم يتوكل عليه، إلا أن من توكل عليه يكفر عنه سيئاته ويعظم له أجرًا.
وقرأ الجمهور: {بالغ} بالتنوين، {أمرَه} بالنصب.
وقرأ حفص والمفضل، وأبان، وجبلة وابن أبي عبلة، وجماعة عن أبي عمرو، ويعقوب، وابن مصرف، وزيد بن علي بالإضافة.
وقرأ ابن أبي عبلة أيضًا، وداود بن أبي هند، وعصمة عن أبي عمرو: {بالغ أمرُه} بتنوين {بالغٌ} ورفع {أمرُه} على أنه فاعل بالغ أو على أن {أمره} مبتدأ مؤخر، و {بالغ} خبر مقدم، وقال الفراء في توجيه هذه القراءة: أي أمره بالغ.