والمعنى: ومن يتعد حدود الله .. فقد أضر بنفسه؛ فإنك لا تدري أيها المطلق المتعدي بإيقاع الثلاث وبإخراجها من البيوت أن الله ربما يحدث في قلبك بعد ذلك الذي فعلت - من التعدي بإيقاع الثلاث - أمرًا يقتضي خلاف ما فعلت، فيبدل ببغضها محبة وبالإعراض عنها إقبالًا، ولا يمكنك تدارك ما فعلت من التعدي فتندم.
وفي الآية دلالة على كراهة التطليق ثلاثًا بمرة واحدة؛ لأن إحداث الرجعة لا يمكن بعد الثلاث، ففي إيقاع الثلاث عون للشيطان، وفي تركها رغم له، فإن الطلاق من أهم مقاصده، كما روى مسلم من حديث جابر - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"إن عرش إبليس على البحر فيبعث سراياه - أي: جنوده وأعوانه من الشياطين - فيفتنون الناس، فأعظمهم عنده الأعظم فتنة، يجيء أحدهم فيقول: فعلت كذا وكذا، فيقول: ما صنعت شيئًا، ثم يجيء أحدهم فيقول: ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته، فيدنيه منه ويقول: نِعْمَ أنت"؛ أي: نِعم المضل أنت، أو الشرير أنت. فيكون (نِعم) بكسر النون فعل مدح حذف المخصوص به، أو نَعَمْ أنت ذاك الذي يستحق الإكرام، فيكون بفتح النون حرف إيجاب.
والخلاصة: أن من يتعد حدود الله .. فقد أساء إلى نفسه؛ فإنه لا يدري عاقبة ما هو فاعل، فلعل الله يحدث في قلبه بعد ذلك التعدي أمرًا يدعو إلى عكس ما فعل؟ فيبدل البغض محبّة والإعراض إقبالًا، ولا يمكن له تدارك ذلك برجعة أو استئناف نكاح، فتضيع الفرصة ويندم، ولات ساعة مندم.
تنبيه: الشريعة الإسلامية وإن أباحت الطلاق .. بغضت فيه وقبحته وبينت أنه ضرورة لا يلجأ إليها إلا بعد استنفاد جميع الوسائل؛ لبقاء رباط الزوجية الذي حببت فيه وجعلته من أجل النِّعم، فرغبت في إرسال حَكَم من أهله وحَكَم من أهلها قبل حدوث الطلاق؛ لعلهما يزيلان ما بين الزوجين من نفور، كما رغبت في أن تكون الطلقات الثلاث متفرقات؛ لعل النفوس تصفو بعد الكدر والقلوب ترعوي عن غيها، ولعلهما يندمان على ما فرط منهما، فتكون الفرصة مواتية ويمكن الرجوع إلى ما كانا عليه، بل قد يعودان إلى حال أحسن مما كانا عليه.