ثم بيّن عاقبة تجاوز تلك الحدود، فقال: {وَمَنْ يَتَعَدَّ} أصله: يتعدى، فحذفت اللام بـ {مَنْ} الشرطية، وهو من التعدي بمعنى التجاوز؛ أي: ومن يتجاوز {حُدُودَ اللَّهِ} ؛ أي: حدوده المذكورة وأحكامه، بأن أخل بشيء منها، والإظهار في مقام الإضمار لتهويل أمر التعدي، والأشعار بعلية الحكم في قوله تعالى: {فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ} ؛ أي: أضر بها؛ أي: ومن يتجاوز ما شرع الله لعباده من شرائع وما أبيح له إلى ما لم يبح له .. فقد ظلم نفسه وأضر بها من حيث لا يدري.
ثم بيّن علة هذا الضرر، فقال: {لَا تَدْرِي} ولا تعلم أيها المرء. تعليل لمضمون الشرطية؛ أي: فإنك أيها المطلق المتعدِّي لا قدر ولا تعلم عاقبة أمرك وأمر المطلقة. ومفعول الدراية محذوت كما قدرنا. وجملة {لَعَلَّ اللَّهَ ...} إلخ، مستأنفة لا تعلق لها بما قبلها؛ لأن الجمهور لم يعدوا {لَعَلَّ} من المعلقات، كما في"السمين". و {لَعَلَّ} بمعنى: {إنَّ} الناصبة؛ أي: لا تدري ولا تعلم أيها المطلق المتعدي بإيقاع ثلاث طلقات عاقبة أمرك وأمر المطلقة، فإن الله سبحانه ربما {يُحْدِثُ} ويوجد في قلبك {بَعْدَ ذَلِكَ} الذي فعلت من التعدي عليها وإيقاع ثلاث طلقات {أَمْرًا} يقتضي خلاف ما فعلته من التعدي، فيبدل ببغضها محبة وبالإعراض عنها إقبالًا إليها، ولا يمكن تداركه برجعة أو استئناف نكاح، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء. وإحداث الأمر: إيجاده بعد أن لم يكن. فالأمر الذي يحدثه الله تعالى أن يقلب قلبه عما فعله بالتعدي إلى خلافه. فالظلم عبارة عن ضرر دنيوي يلحقه بسبب تعديه ولا يمكنه تداركه، أو عن مطلق الضرر الشامل للدنيوي والأخروي. ويخص التعليل بالدنيوي لكون احتراز الناس منه أشد واهتمامهم بدفعه أقوى. وقيل: {لَعَلَّ} معلقة لـ {تَدْرِي} عن العمل في اللفظ، فجملتها في محل نصب سادة مسد المفعولين. والمقصود من الكلام: التحريض على طلاق الواحدة أو الثنتين، والنهي عن الثلاثة. وقوله: {لَا تَدْرِي} خطاب للمتعدي بطريق الالتفات لمزيد الاهتمام بالزجر عن التعدي لا للنبي - صلى الله عليه وسلم - كما توهم.